خلال سنوات النزاع السوري مرت البلاد بظروف استثنائية أدت إلى نزوح الملايين من السوريين/ات خارج سوريا وعدم التمكن من معرفة عناوينهم أو تواجدهم في مناطق خارجة عن سيطرة النظام مما أدى إلى استحالة تبليغهم بالذات في الدعاوى القضائية المرفوعة ضدهم والاعتماد عوضاً عن ذلك على التبليغ بالصحف مما أدى إلى صدور أحكام قضائية بحقهم دون علمهم بها، ومن ثم حرمانهم من حقهم المشروع في ممارسة حق الدفاع، ومن حقهم في الطعن في الحكم بعد صدوره.

وفي هذا الإطار، تم استغلال هذه الثغرة الإجرائية بسوء نية من قبل بعض الأطراف لتسريع وتيرة التقاضي وحسم النزاعات لصالحهم. وقد ترتب على ذلك آثار اجتماعية وقانونية كارثية، شملت مصادرة الملكيات العقارية والمنقولة عبر دعاوى تثبيت البيع الصورية، وصولاً إلى قضايا الأحوال الشخصية كالتفريق والطلاق، التي تمت بمعزل عن علم الأزواج، مما تسبب في ضياع حقوق الملكية وتفكك الروابط الأسرية.

ماهية التبليغ وأنواعه في القانون السوري:

التبليغ هو إجراء قانوني نص عليه قانون أصول المحاكمات المدنية ويهدف إلى إعلام شـخص ما رسمياً بعمل قضائي معين تربطه به علاقة أو صلة ما كإقامة دعوى عليه، أو صدور حكم بمواجهته. ويجري التبليغ أصولاً بتسليم محضر التبليغ الذي يشتمل على (تحديد المحكمة التي يجري التبليغ بأمرها، بيان أطراف الخصومة بياناً كاملاً، تحديد موضوع التبليغ وسببه، تحديد تاريخ وساعة التبليغ، والموعد المقرر للجلسة …إلخ)، إلى المدعى عليه بالطرق التي رسمها القانون حصراً، وهو الوسيلة الرسمية التي يتم بها إعلام الخصوم بإجراءات الخصومة في جميع مراحلها، بحيث يترتب عليه بدء سريان المواعيد، وانعقاد الخصومة.

أن الخصومة في الدعوى لا تنعقد ولا تكتمل إلا بحضور جميع أطرافها إلى المحكمة بالوقت المحدد، أو على الأقل عندما يَثبت للمحكمة أنهم بلّغوا على نحو صحيح وبالطريقة المبينة في القانون.

وتقوم فكرة التبليغ على احترام حق الدفاع المقدس، لأنه من حيث المبدأ العام لا يجوز أن تحكم على شخص دون إبلاغه بما هو مطالب به، ودون تمكينه من أن يدافع عن نفسه بالحجج التي يرى أنها كفيلة برد مطالب خصمه.

وقد حدد المشرع السوري أربع أنواع للتبليغ في قانون أصول المحاكمات المدنية، وهي التبليغ بالذات أو بالواسطة أو لصقاً او بالصحف.

التبليغ بالذات:

في الأصل يجب أن تسلم ورقة التبليغ إلى الشخص المعني بها شخصياً، وذلك في موطنه/عنوانه المبين في الورقة أو السند المطلوب تبليغه كما يمكن للمحضر (للموظف المكلف بالتبليغ) أن يقوم بتبليغه في أي مكان يجده فيه، وهذا يضمن من حيث النتيجة تحقيق الغرض من التبليغ، وهو إعلام الشخص نفسه المطلوب تبليغه بمضمون سند التبليغ.[1]

التبليغ بالواسطة: وهو أن يتبلغ عن المطلوب تبليغه أحد اقاربه المقيمين معه في نفس المنزل، وذلك في حال عدم وجود المخاطب مؤقتا في العنوان الموجه إليه التبليغ. وقد حددهم القانون في المادة 23 على سبيل الحصر، وبشرط بلوغهم السن القانوني 18 عاماً وعدم تعارض مصلحتهم مع مصلحة المطلوب تبليغه.

التبليغ لصقاً على باب منزل المخاطب:

في حال لم يجد المحضر الشخص المطلوب تبليغه في المنزل ولم يجد من يصلح للتبليغ، أو امتنع من وجده عن تسلم الورقة، عندها يُسلم سند التبليغ الى المختار، ويُلصق بيان على باب بيت المخاطب يتضمن إعلامه أن صورة التبليغ سُلِّمت للمختار.[2]

وقد تم استغلال هذا النوع من التبليغ بتآمر بعض ضعاف النفوس مع المُحضر ومختار المحلة لشرح التبليغ بأنه تم لصقاً، وذلك دون أن يتم اتباع الإجراءات المنصوص عليها في المادة 24 أصول محاكمات، كإلصاق ورقة التبليغ على باب موطن المطلوب تبليغه، مما أدى إلى ضياع حق المدعى عليه بالدفاع أو الطعن لعدم علمه بالدعوى المرفوعة ضده.

وقد استقر الاجتهاد القضائي على اعتبار التبليغ في هذه الحالة باطلاً [3]وبالتالي بطلان جميع إجراءات المحاكمة التي تمت بعدها، ويحق للمدعى عليه التمسك بالبطلان والطعن بالحكم بطريق (الاستئناف أو النقض) في حال لم يكن قد اكتسب الدرجة القطعية، أما إذا كان الحكم مبرم فيجوز له سلوك طريق إعادة المحاكمة كون الحكم مبني على وثيقة مزورة.[4]

الاعلان بالصحف الرسمية:

وتكون عند عدم وجود المخاطب اطلاقاً في العنوان الموجه إليه وجهالة مكان إقامته الحالي، كأن يكون العنوان قديم وقد هاجر الى جهة مجهولة ولا يعرف أحد عنوانه[5] أو عند تعذر تبليغه بسبب ظروف استثنائية تحول دون ذلك[6] كما في حال وجوده في أحد المناطق الخارجة عن سيطرة النظام سابقاً. (وبسبب ما خلفته الحرب من هجرة ونزوح استغل البعض هذه الثغرة في إعطاء عنوان خاطئ [7] للمدعى عليه والادعاء بأنه يقيم في أحد المناطق الساخنة ويتعذر تبليغه، أو يتعاون مع المحضر لشرح التبليغ بأن المطلوب تبليغه غادر إلى جهة مجهولة، حتى يصار إلى تبليغه عبر الصحف اليومية وسريان إجراءات التقاضي بحقه. ونتج عن ذلك صدور أحكام بنقل ملكيات من عقارات وسيارات ومبالغ مالية من دون علم أصحابها).

ويعاد التبليغ للمحكمة في هذه الحالة وتقرر المحكمة في الجلسة تبليغ المخاطب بالصحف الرسمية وعلى لوحة اعلانات المحكمة والجريدة الالكترونية في وزارة العدل.

مع الاشارة أيضا أن التبليغ بالواسطة أو لصقاً أو بالصحف هو بحاجة الى تبليغ ثاني يسمى ((الاخطار)) وبنفس الاصول والإجراءات المُتبعة في التبليغ الأول.

وتكمن المشكلة الأساسية في التبليغ عبر الجريدة الرسمية في عدم اعتياد أفراد المجتمع السوري على قراءة الصحف اليومية، وأيضاً في انحسار نطاقها الجغرافي، اذ كيف يمكن لشخص خارج البلاد أن يحصل على صحيفة رسمية لا توزع إلا في سوريا؟

خاتمة:

أن التبليغ ليس إجراءً شكلياً ثانوياً بل هو أداة لازمة لاحترام حق الدفاع، ويُعدّ من المبادئ الأساسية التي لا تقوم العدالة القضائية إلا بها، اذ لا يجوز مؤاخذة شخص أو الحكم عليه، دون إعلامه علماً يقينياً بما يُنسب إليه أو يُطالب به، وتمكينه من ممارسة حقه في الدفاع ممارسة فعلية، وهو في الوقت ذاته أداة لتحقيق مصلحة العدالة ذاتها، باعتبار أن الخصومة لا تكون عادلة إلا إذا قامت على المواجهة والمساواة بين أطرافها.

لذلك، فإن من حق كل من تضرر من صدور أحكام قضائية بحقه، دون علمه بناء على تبليغات باطلة تسببت بسلب حقوقه، في سلوك سبل الطعن المنصوص عليها في القانون، وإبطال تلك الأحكام وإعادة الحال الى ما كان عليه قبل صدورها.

الحكومة الانتقالية مُطالبة بإصدار قانون أو تشريع يلزم المواطنين في سوريا ممن بلغو السن القانوني 18 عاماً بتعبئة استمارة تتضمن تحديد عناوينهم وأرقام هواتفهم وبريدهم الالكتروني لدى البلديات التي يتبعون لها إدارياً. ويمكن مخاطبتها عن طريق القضاء والمؤسسات الرسمية في حال الحاجة الى عنوان شخص معين أو رقم هاتفه لتبليغه في حال وجود أي إجراء يُتخذ بحقه.

ومع التطور التقني والتكنولوجي سيكون من الأفضل الاعتماد أيضاً على الوسائل الحديثة، كالتبليغ عبر البريد الالكتروني أو عبر أرقام الهواتف ووسائل التواصل الاجتماعي، الأمر الذي يخفف الأعباء المالية ويسهل الاجراءات ويُسرِّع عمليه التقاضي، الأمر الذي يقتضي تعديل قانون أصول المحاكمات المدنية واعتماد الوسائل المذكورة في التبليغ واعتماد التوقيع الالكتروني.

 

[1] المادة 22 من قانون أصول المحاكمات المدنية السوري.

[2] المادة 24 من قانون أصول المحاكمات المدنية.

[3] اجتهاد محكمة النقض السورية رقم ن 558/606 تاريخ 2/5/1981 – م 1981 ، قد قضى بعدم صحة التبليغ إذا جرى لصقاً ولم يتضمن تسليم الأوراق إلى مختار المحلة وإلصاق بيان ذلك على باب المخاطب.

[4] المادة 242 الفقرة ب من قانون أصول المحاكمات المدنية.

[5] المادة 27 من قانون أصول المحاكمات المدنية.

[6] المادة 34 من قانون أصول المحاكمات المدنية.

[7] إن وضع عنوان غير حقيقي للمدعى عليه و التبليغ على العنوان المذكور يجعل الخصومة غير منعقدة و النزاع لم يتم ربطه بين طرفيه فيكون الإجراء معدوما و ينسحب الانعدام بدوره على القرار الصادر تبعا لذلك فيكون معدوماً.

قرار 1134 / 2013 – أساس 1309 – محكمة النقض – الدوائر المدنية – سورية
قاعدة 1 – م. المحامون 2014 – اصدار 01 إلى 06 – رقم مرجعية حمورابي: 73294.