نتيجةً لموجات النزوح القسري والهجرة الواسعة التي أفرزتها سنوات النزاع، برزت الوكالة القانونية كأداة لا غنى عنها لتمكين السوريين من إدارة شؤونهم وحماية ملكياتهم العقارية وتسيير معاملاتهم الإدارية أمام المؤسسات الرسمية داخل سوريا.
وفي ظل استحالة الحضور الشخصي للكثيرين، أصبحت الوكالة الخارجية المنفذ الوحيد للنيابة القانونية، سواء عبر توكيل محامين مزاولين أو أشخاص مدنيين (غالباً من الأقارب)، لضمان استمرارية الحقوق والالتزامات القانونية للمهجرين عن موطنهم الأصلي.
سنتناول في هذه الورقة لمحة مبسطة عن الوكالة في القانون السوري وأنواعها وطريقة تنظيمها بالنسبة للسوريين، والتحديات التي تواجه السوريين في الخارج، مع اقتراح توصيات تحد من التحديات الموجودة، وفق التفصيل التالي:
الوكالة وأنواعها في القانون السوري:
عرفت المادة 665 من القانون المدني السوري الوكالة بأنها: “عقد بمقتضاه يلتزم الوكيل بالقيام بعمل قانوني لحساب الموكل.”
وبشكل مبسط يمكن تعريف الوكالة بأنها تفويض قانوني يمنح شخصاً آخر صلاحية التصرف باسم الشخص الموكل، وقد تكون لأغراض عديدة مثل القيام بمهام تجارية، قانونية، أو إدارية.
ومن حيث المضمون والصلاحيات يوجد نوعين للوكالة، عامة وخاصة، (1) العامة تمنح الوكيل صلاحيات تامة ومطلقة للتصرف نيابة عن الموكل في كافة الأمور الإدارية والقانونية ودون الرجوع إليه. تشمل هذه الصلاحيات عادةً: البيع، الشراء، الإيجار، الرهن، والمراجعات الحكومية، وهذا النوع يتطلب ثقة عالية جداً بالوكيل نظراً لخطورة الصلاحيات الممنوحة فيها، خاصة في معاملات البيع ونقل الملكية .
أما (2) الوكالة الخاصة، فبموجبها يعطي الموكل للوكيل صلاحية القيام بأمر معين ومحدد حصراً. بمجرد انتهاء هذا العمل، تنتهي الوكالة تلقائياً، مثال: وكالة لتثبيت زواج، أو استخراج جواز سفر.
ومن حيث شكل الوكالة وأحياناً هوية الوكيل، يوجد أيضاً نوعين للوكالة، عدلية وقضائية، فالأولى (العدلية) تنظم أمام الكاتب بالعدل، ينظمها شخص لآخر بغرض إتمام عمل قانوني معين مثل شراء منزل أو بيعه أو تأجيره أو وكالة بالزواج أو الطلاق، ويوكل فيها المحامين وغير المحامين.
والثانية (القضائية) تنظم أمام مندوب نقابة المحامين، ويكون مجالها القضاء لأنها توكيل بالخصومة والمرافعة أمام المحاكم. وفيها يتم توكيل محام/ية لتمثيل الموكل ومباشرة إجراءات التقاضي والمرافعة نيابة عن الموكل (الأصيل)، وبموجب عقد الوكالة، يلتزم المحامي بالدفاع عن حقوق موكله مقابل التزام الموكل بدفع أتعاب محاميه.
طريقة تنظيم الوكالة للسوريين المقيمين خارج سوريا:
يتوجه صاحب العلاقة شخصياً إلى الكاتب بالعدل السوري وهو موجود في كل سفارة أو قنصلية سورية في الخارج، وفي حال عدم وجود سفارة سورية في بلد الاقامة يمكن السفر إلى أقرب دولة يوجد فيها سفارة أو قنصلية سورية، مصطحباً معه الهوية الشخصية وصورة عنها أو جواز سفر ساري المفعول وصورة عنه، وصورة هوية الوكيل أو صورة جواز سفر ساري المفعول.[1]
يحدد الموكل نوع الوكالة (عامة أو خاصة) والصلاحيات التي يريد منحها للوكيل، ويقوم الموظف المسؤول في السفارة بتجهيز الوكالة وطباعتها، وبعد توقيع الموكل أمام الموظف القنصلي ودفع الرسوم، يحصل على نسخة أصلية مصدقة عن الوكالة.
ترسل الوكالة إلى الوكيل في سوريا (عبر البريد أو عبر شخص مخول لتسليمها للوكيل) وبعد تسلم الوكالة من قبل الوكيل يقوم بتصديقها من وزارة الخارجية السورية بعد الحصول على الموافقة الأمنية (بالنسبة لبعض الحالات التي سنوردها لاحقاً)، مدة صلاحية الوكالات الخارجية لقبولها في سورية وتصديقها من وزارة الخارجية سنة ميلادية من تاريخ تنظيم الوكالة في السفارة السورية. ومن ثم يتم حفظ الوكالة بعد تصديقها من الخارجية لدى كاتب العدل. وبعد ذلك يمكن أخذ صور مصدقة عنها كلما دعت الحاجة إلى ذلك.
متطلبات خاصة لبعض أنواع الوكالات:
- إذا كان نوع الوكالة خاصة عقارية يطلب بيان قيد عقاري صادر من سوريا ومصادق عليه من وزارة الخارجية.
- إذا كان نوع الوكالة خاصة بالزواج يطلب صورة عن هوية الزوج/ة.
- إذا كان نوع الوكالة خاصة بمركبة يطلب بيان قيد للمركبة صادر من سورية ومصادق عليه من وزارة الخارجية.
- الوكالة التي تتعلق بإدارة أمور شركة يُطلب شهادة تسجيل الشركة.
- الوكالة التي تتعلق بأمور القاصرين تتطلب وصاية شرعية من القاضي الشرعي.
- الوكالة التي تتعلق بأمور المحجور عليه تتطلب قوامة شرعية عن القاضي الشرعي.
ويشترط في تلك الوثائق المرفقة بالوكالة الا يمضي عليها أكثر من ثلاثة أشهر.
عُقدة الموافقات الأمنية:
يصطدم نفاذ هذه الوكالات بسلسلة من القيود الإدارية والأمنية؛ إذ تفرض التعاميم الصادرة عن وزارة العدل (لا سيما التعميم رقم 82 لعام 2015 والتعميم رقم 17 لعام 2019)، ضرورة الحصول على ‘موافقة أمنية’ مسبقة كشرط أساسي لصحة الوكالات المتعلقة بالتصرفات العقارية (كالبيع والشراء والهبة)، أو تأسيس الشركات أو المشاركة فيها أو الانسحاب منها وتصفية التركات. ورغم أن التعميم رقم 36 لعام 2018 والتعميم رقم 17 لعام 2019 قد استثنيا الوكالات الخاصة بالأحوال الشخصية (كالزواج والطلاق) والمراجعات الإدارية (كاستخراج جوازات السفر) من هذا الشرط، إلا أن بقاء ‘الموافقة الأمنية’ كقيد على التصرفات التجارية والعقارية يمثل عقبة قانونية وتحدياً جسيماً أمام السوريين في الخارج، مما يجعل حقوقهم في الملكية رهينة للتعقيدات الإجرائية والقرارات الأمنية التي لم تُلغَ مفاعيلها حتى الآن.
خاتمة وتوصيات:
تُعد الوكالة أداة قانونية حيوية تمنح السوريين/ات في الخارج وسيلة لحماية حقوقهم وإدارة شؤونهم في سوريا عبر وكلاء ينوبون عنهم.
ورغم أهميتها، يواجه المغتربون السوريون/ات جملة من التحديات التي تعطل مصالحهم، أبرزها اشتراط الحضور الشخصي إلى السفارات، وهو أمر متعذر للكثيرين في دول لا يوجد فيها تمثيل دبلوماسي، فضلاً عن العبء المالي الكبير لرسوم التنظيم، واشتراط وجود وثائق سورية سارية المفعول (هوية أو جواز سفر) حصراً، مع منع استخدام الوثائق الأجنبية، بالإضافة الى اشتراط الموافقات الأمنية في حالات معينة.
ولإزالة هذه العقبات، يتوجب على الحكومة الانتقالية العمل على مقترحات عملية تضمن حقوق السوريين، ومنها:
- تخفيف الأعباء المالية عبر إعادة النظر في الرسوم القنصلية المرتفعة لتكون في متناول الجميع.
- تسهيل إجراءات إثبات الشخصية من خلال قبول وثائق بديلة في حال فقدان الجواز أو الهوية، مثل “إخراج القيد المدني” المصدق والحديث.
- إيجاد حلول للسوريين المقيمين في دول لا يوجد بها بعثات دبلوماسية، لتوفير عناء وتكاليف السفر الشاقة.
- ضرورة إلغاء العمل بالموافقات الأمنية التي فرضها النظام السوري السابق لأسباب سياسية معروفة.
[1] نقلاً عن موقع وزارة الخارجية والمغتربين يمكن الاطلاع عليه على الرابط التالي: