أدانت هيئة محلفين فيدرالية في مدينة لوس أنجلوس الأمريكية مدير سجن عدرا المركزي في الفترة ما بين عامي 2005 و 2006، العميد السابق سمير عثمان الشيخ، البالغ من العمر 73 عاماً، بتهمة التآمر لارتكاب عمليات التعذيب، وثلاث تهم لمشاركته في تعذيب معتقلين في سجن عدرا، كما وجّهت له تهمة الكذب على سلطات الهجرة الأمريكية للحصول على البطاقة الخضراء، ومحاولة الحصول على الجنسية الأمريكية بطرق احتيالية، وكانت قد بدأت في 2 منذ آذار/مارس 2026 في لوس أنجلوس أولى جلسات المحاكمة في تطور قضائي تاريخي يعد الأول من نوعه داخل الولايات المتحدة لمسؤول بهذا المستوى من نظام الرئيس السابق بشار الأسد.

وبحسب وزارة العدل الأمريكية قام “الشيخ” بتعذيب السجناء وارتكاب فظائع إنسانية لمعاقبة المعارضة السياسية وإسكاتها في سوريا، وبعد ارتكابه هذه الجرائم لسنوات، أدلى بمعلومات كاذبة لسلطات الهجرة الأمريكية ليتمكن من العيش في الولايات المتحدة والسعي للحصول على الجنسية الأمريكية، وأكدت الوزارة، أن شجاعة الضحايا واجتهاد المدعين العامين منعته من الإفلات من ماضيه وسيحاسب على جرائمه الوحشية.

وكشفت الأدلة المقدمة أن “الشيخ” قد تورط في ممارسة، وتوجيه أوامر مباشرة لمرؤوسيه بتعذيب المعتقلين جسدياً ونفسياً. وإرسال سجناء إلى “جناح العقاب” في سجن عدرا حيث عُلّقوا في السقف وضُربوا في الوقت نفسه، وتم إخضاعهم لجهاز يُعرف باسم “بساط الريح”، والذي كان يطوي أجسادهم إلى نصفين عند الخصر، مما يُسبب لهم آلاماً مبرحة، ويؤدي أحياناً إلى كسور في العمود الفقري. وقد أدلى ضحايا سابقون بشهاداتهم حول أشكال التعذيب التي عانوا منها أو شهدوا عليها، خاصة أولئك الذين رفضوا الانصياع لأوامر إيذاء المعارضين السياسيين أو أبدوا تضامناً معهم داخل السجن.

وأشارت الوزارة إلى أن “الشيخ” قد يواجه عقوبة قد تصل إلى السجن 20 عاماً في عن كل من تهم التعذيب الثلاث، بالإضافة إلى تهمة التآمر لارتكاب التعذيب، كما يمكن أن تصل العقوبة القصوى إلى 10 سنوات عن كل من تهم الاحتيال في ملفي الهجرة ومحاولة التجنيس، وسيظل “الشيخ” رهن الاحتجاز لدى السلطات الأمريكية بانتظار النطق بالحكم في الموعد الذي تحدده المحكمة.

محاكمة “الشيخ” استناداً لمبدأ الولاية القضائية العالمية:

يأتي هذا النوع من القضايا في إطار ما يُعرف بمبدأ الولاية القضائية العالمية، وهو مبدأ يسمح للدول بمحاكمة مرتكبي الجرائم الخطيرة مثل التعذيب وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، حتى لو ارتُكبت هذه الجرائم خارج أراضيها، وبغض النظر عن جنسية الجاني أو الضحايا، وذلك عندما تتوافر شروط قانونية معينة.

وخلال سنوات النزاع في سوريا، لجأ ضحايا وناجون من الانتهاكات، إلى جانب منظمات حقوقية سورية ودولية، إلى الاستفادة من مبدأ الولاية القضائية العالمية في عدد من الدول، وجاء ذلك في ظل تعثر مسار العدالة الدولية بشأن الجرائم المرتكبة في سوريا، نتيجة الانقسامات السياسية داخل مجلس الأمن واستخدام روسيا حق النقض (الفيتو) لمنع إحالة الملف السوري إلى المحكمة الجنائية الدولية.

وبموجب هذا المسار القانوني، عمل ضحايا وشهود ومنظمات حقوقية على تقديم شكاوى وملفات موثقة أمام محاكم في دول مختلفة، تتعلق بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي ارتُكبت في سوريا.

فقد سبق وأن أصدر قضاة التحقيق في وحدة جرائم الحرب بفرنسا، في أيلول/سبتمبر 2025، مذكرات توقيف بحق سبعة مسؤولين كبار في النظام السوري، على رأسهم الرئيس السابق: بشار الأسد وشقيقه ماهر الأسد وعلي مملوك وعلي أيوب؛ وذلك لاتهامهم بالتواطؤ في ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، على خلفية الهجوم الصاروخي الذي استهدف مركزاً صحفياً في حمص عام 2012، وأسفر عن مقتل وإصابة عدد من الصحفيين الدوليين والمحليين.

وفي بريطانيا، مُثِلَ العقيد السابق في إدارة المخابرات الجوية السورية سالم السالم، أمام محكمة “وستمنستر” الجزئية، لفتح ملف الانتهاكات المرتكبة في حي جوبر بدمشق بين نيسان 2011 وآذار 2012، وتضمنت لائحة الاتهام سبع تهم جنائية بينها ثلاث تهم قتل بصفتها جرائم ضد الإنسانية، وثلاث تهم تعذيب، وتهمة واحدة تتعلق بسلوك مرتبط بالقتل.

وفي سياق متصل، قضت محكمة ألمانية بالسجن المؤبد على الطبيب علاء موسى بعد محاكمة استمرت ثلاث سنوات ونصف بتهم ارتكاب جرائم تعذيب وقتل، كما صادقت المحكمة الاتحادية العليا حكماً بالسجن مدى الحياة بحق أنور رسلان في أغسطس الماضي لإدانته بجرائم ضد الإنسانية، بينما أُفرج مؤخراً عن إياد الغريب بعد استكماله مدة محكوميته البالغة أربع سنوات ونصف، والتي كانت قد صدرت بحقه عن محكمة كوبلنز في فبراير 2021.

شروط الولاية القضائية العالمية في أمريكا:

بحسب “دليل المحاكمات الوطنية في أمريكا للجرائم المرتكبة في سوريا” الصادر عن المركز السوري للعدالة والمساءلة، فإن قانون الولايات المتحدة الجزائي ينطبق من حيث المبدأ على الجرائم التي تقع داخل الولايات المتحدة، ولكنه يتضمن تشريعات محددة تسمح بتوجيه تهم جنائية تتعلق بجرائم ارتكبت خارج الولايات المتحدة، وهناك نوعان من القضايا يمكن لمحاكم الولايات المتحدة النظر فيها: القضايا الجزائية والقضايا المدنية، في القضايا الجزائية، تتولى الحكومة الأمريكية توجيه الاتهام إلى الجاني. ويمكن للضحايا مساعدة الادعاء، إلا أن تأثيرهم في سير الإجراءات يظل محدودًا إلى حد كبير، وفي المقابل يحق للضحايا رفع دعاوى مدنية ضد الجناة للمطالبة بالتعويض.

وتتمتع محاكم الولايات المتحدة بولاية النظر في الدعاوى الجزائية حتى لو لم يكن المدعي مواطناً أمريكياً، وذلك إذا كان للفعل صلة قوية بالولايات المتحدة، كأن يكون المدعى عليه أمريكيا، او إذا حدث الفعل المزعوم أو جزء منه داخل أراضيها، أو إذا كان المتهم بارتكاب جرائم القتل أو التعذيب أو العبودية القسرية أو العمل الجبري او الاتجار بالبشر، موجوداً في الولايات المتحدة، وهذا ما ينطبق على سمير الشيخ، الذي يحاكم الآن في الولايات المتحدة.

وإذا كان بعض الأشخاص يتمتعون بالحصانة من المحاكمة في حال شغلهم لمناصب حكومية، مثل رؤساء الدول أو الدبلوماسيين، فأن هذه الحصانة لا تنطبق في حال انتهاك القواعد الآمرة للقانون الدولي (ارتكاب جرائم خطيرة مثل التعذيب أو الإبادة الجماعية أو غيرها من الجرائم ضد الإنسانية)، كذلك ليس من الممكن بشكل عام مقاضاة الدول الأجنبية ككيان.

مهلة تقديم الدعاوى:

في حال رفع دعوى جزائية بموجب قانون جرائم الحرب، لا يوجد سقف زمني لتقديمها، ولكن معظم القضايا المدنية تشترط رفع دعوى خلال 10 سنوات من تاريخ ارتكاب الجرم، ويخضع هذا السقف الزمني للتجميد الاستثنائي بهدف تحقيق الإنصاف، والذي يسمح للمحكمة أن تنظر في دعوى رفعت بعد أكثر من 10 سنوات من وقوع الأحداث التي تتناولها القضية، ويكون هذا الخيار متاحا في عدد من الظروف بما فيها عدم قدرة الضحايا على المطالبة بالعدالة في وطنهم الأم، وللاستفادة من هذا الاستثناء على المدعي أن يفسر أسباب عدم تمكنه من رفع دعوى ضد الجاني قبل ذلك الوقت، والتي قد يكون من ضمنها الأذى النفسي أو النزاع المسلح.

خاتمة وتوصيات:

في المحصلة، تمثّل هذه المحاكمات خطوة مهمة في مسار البحث عن العدالة في سوريا، وهنا، تبرز أهمية تعزيز التعاون القضائي من خلال تبادل الأدلة والمعلومات مع الدول التي تتبنى مبدأ الولاية القضائية العالمية، كما ويقع على عاتق الحكومة السورية الانتقالية دور محوري في التعاون مع وحدات جرائم الحرب في هذه الدول، خاصة أنها قد تمتلك وثائق وملفات حصلت عليها من مؤسسات الدولة بعد سقوط النظام، وبما أن المدعو سمير الشيخ قد شغل منصباً قيادياً كمدير لسجن عدرا، فإن كشف الأرشيف المتعلق بتلك الفترة ومشاركته مع القضاء الأمريكي يعد خطوة مهمة لتوثيق الجرائم وضمان عدم الإفلات من العقاب.

وفي هذا السياق، تشكل مصادقة سوريا على نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية خطوة محورية، إذ تجعل الجرائم المنصوص عليها فيه جزءاً من القانون السوري، وتمكّن المحاكم الوطنية من إسباغ التكييف القانوني السليم على الانتهاكات الجسيمة، كما يتيح نظام روما للسلطات القضائية محاسبة المسؤولين العسكريين والسياسيين عن الجرائم التي يرتكبها مرؤوسيهم، بما يرسخ مبدأ المسؤولية الجنائية الفردية ويجعل مسؤولية القادة العسكريين مفترضة، ولا سيما عندما ترتكب تلك الانتهاكات في إطار سياسة ممهنجة وواسعة النطاق، وهذا يتطلب أيضاً تضافر جهود منظمات المجتمع المدني ودعم عائلات الضحايا لملاحقة المنتهكين.