أصدرت منظمة هيومن رايتس ووتش، بالشراكة مع “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” و”الأرشيف السوري”، تقريرًا اتهمت فيه السلطات السورية المؤقتة بعدم إظهار القدر الكافي من الشفافية في التحقيقات المتعلقة بالأحداث التي شهدها الساحل السوري في مارس/آذار 2025.
وذكر التقرير، الذي نشر تزامناً مع زيارة الرئيس السوري المؤقت “أحمد الشرع” إلى الجمعية العامة في نيويورك نهاية أيلول/سبتمبر 2025، أن الحكومة السورية الانتقالية كانت قد وعدت “بالمحاسبة على أعمال العنف التي وقعت في مارس/آذار، لكنها لم تقدم سوى قدر ضئيل من الشفافية بشأن ما إذا كان تحقيقها قد تناول دور كبار القادة العسكريين أو المدنيين، أو ما هي الخطوات التي ستتخذها لمحاسبة أولئك الذين يتمتعون بسلطة القيادة“.
التقرير الصادر بعنوان: “أنت علوي؟ الاستهداف القائم على الهوية خلال المرحلة الانتقالية في سوريا”، وثق “الانتهاكات الواسعة التي ارتكبتها القوات الحكومية، والجماعات المسلحة الموالية للحكومة، والمتطوعون المسلحون، بما يشمل الإعدامات التعسفية، والتدمير المتعمد للممتلكات، وإساءة معاملة المحتجزين. تُظهر النتائج أن هذه الجرائم وقعت في إطار عملية عسكرية منسقة مركزيا بإشراف وزارة الدفاع، التي واصل مسؤولوها تنسيق نشر القوات حتى بعد أن أصبحت عمليات القتل الجماعية معروفة للجمهور”.
واستند التقرير إلى “أكثر من مئة مقابلة، ومئات الفيديوهات والصور التي تم التحقق منها، بالإضافة إلى صور الأقمار الصناعية”، كما قدم “أدلة على أن هذه القوات ارتكبت إعدامات تعسفية على نطاق واسع، ودمرت الممتلكات بشكل متعمد، ومارست انتهاكات بحق المحتجزين”.
ووجد التحقيق المشترك للمنظمات أن أنماط الاحتجاز التعسفي، ومداهمات المنازل، والاستهداف على أساس الهوية في المجتمعات العلوية كانت قد بدأت قبل أسابيع في حمص وريف حماة. استمرت الانتهاكات مستمرة منذ ذلك الحين، وشملت تلك التي وقعت في محافظة السويداء الجنوبية في يوليو/تموز، حيث أفاد السكان المحليون الدروز بوقوع إعدامات تعسفية، ونهب، وتدمير للممتلكات خلال العمليات الأمنية الأخيرة التي نفذتها وحدات من وزارتَي الدفاع والداخلية.
أنماط موثقة من الانتهاكات المرتكبة والجهات المشاركة بها:
ذكر التقرير أن “القوات الحكومية والجماعات المسلحة المتحالفة معها”، شنت “هجمات منسقة على أكثر من 30 بلدة وقرية وحي تقطنها غالبية علوية”، و “نفذت مداهمات منزلية منهجية، متنقلة من بيت إلى آخر ومطالبة السكان بالكشف عن انتمائهم الطائفي” و “في مدينة سلحب بمحافظة حماة، أظهر فيديو عناصر من قوى الأمن العام التابعة لوزارة الداخلية وهم ينفذون إعدامات تعسفية”.
وقال بسام الأحمد، المؤسس المشارك والمدير التنفيذي لـ سوريون من أجل الحقيقة والعدالة: إنه “ليس من الضروري وجود أمر يحمل توقيعًا لمحاسبة كبار المسؤولين وقادة الفصائل. كان لدى مسؤولي وزارة الدفاع القدرة على حشد عشرات آلاف المقاتلين، وتحديد مناطق الانتشار الجغرافي وتوزيعها، وإبقاء العمليات مستمرة في عشرات البلدات لأيام. السؤال لا يتمحور فقط حول من أصدر الأوامر، أو ما إذا كان قد أصدرها، بل لماذا لم يتمكن أي شخص مسؤول من وقف القتل والنهب الواسع النطاق. هذا تقصير في القيادة وضعف في الإرادة“.
من جهتها قالت هبة زيادين، باحثة أولى في شؤون سوريا في هيومن رايتس ووتش إن “اعتراف الحكومة بالفظائع هو خطوة إلى الأمام، لكنه لا يرقى إلى تحقيق العدالة حيال المسؤولين رفيعي المستوى الذين مكّنوا هذه الجرائم أو لم يوقفوها. عدم محاسبة القادة والمسؤولين الذين نشروا القوات المنتهِكة أو وجّهوها يفتح الباب أمام المزيد من الأعمال الانتقامية والفظائع في سوريا”.
التقرير أضاف، أن القوات نفذت “مداهمات منزلية منهجية، متنقلة من بيت إلى آخر ومطالبة السكان بالكشف عن انتمائهم الطائفي، قبل أن تقدم على نهب ممتلكاتهم وإحراق منازلهم وتنفيذ إعدامات تعسفية بحق الأطفال والنساء والرجال، بمن فيهم كبار السن، مستخدمة خطاب كراهية وتحريضًا صريحًا ضد الطائفة العلوية. وفي بعض المناطق، تمت إبادة عائلات بأكملها.
وشملت الفظائع أيضا أنماطًا ممنهجة من الإذلال والمعاملة القاسية، إذ أجبر رجال على الزحف والنباح مثل الكلاب قبل أن يعدموا رميًا بالرصاص فيما تعرض محتجزون مسنون للضرب المبرح أمام الكاميرات.
وبحسب التقرير “أكد الناجون أنهم واجهوا موجات متعاقبة من المسلحين الملثمين، بعضهم يرتدي بزات عسكرية وآخرون ملابس مدنية، اجتاحوا منازلهم وأحيائهم مرارا. في مدينة سلحب بمحافظة حماة، أظهر فيديو عناصر من قوى الأمن العام التابعة لوزارة الداخلية وهم ينفذون إعدامات تعسفية بحق المحتجزين من مسافة قريبة”.
على الرغم من أن هذه التحقيقات لم تكشف عن أدلة مباشرة على صدور أوامر بارتكاب الانتهاكات، فقد وقعت الفظائع التي اجتاحت المنطقة الساحلية ومحافظة حماة في مارس/آذار خلال عملية عسكرية مركزية منسقة أشرفت عليها وزارة الدفاع.
وبحسب التقرير “يشير نطاق الانتهاكات الموثقة وامتدادها الزمني وأنماطها المتكررة في إطار هذه العملية المنسقة إلى أن هذه الأحداث لم تكن حوادث معزولة“.
وعلى الرغم من أن غالبية عمليات القتل والانتهاكات الجماعية وقعت خلال الأيام الأربعة الأولى من العملية، استمرت الانتهاكات في مواقع متعددة لعدة أيام لاحقة. وأفاد المقاتلون بأن كبار المسؤولين والقيادات العسكرية واصلوا التنسيق مع الوحدات المسلحة حتى بعد أن أصبحت الانتهاكات الجسيمة معروفة للعامة.
علاوة على ذلك، تبرز مشاركة الأفراد غير المنتمين إلى قوات الأمن في الانتهاكات، التي صورت رسميًا على أنها أعمال عفوية وطوعية، التناقض الواضح في سردية السلطات. كشفت مقابلات مع مقاتلين ومتطوعين أن رجالا غير مرتبطين بالقوات الأمنية جرى تجنيدهم فعليا، وتزويدهم بالأسلحة، وتنظيمهم، ونشرهم إلى جانب الوحدات الرسمية بواسطة ممثلي وزارة الدفاع. على الرغم من البيانات العلنية الرسمية التي وجهت هؤلاء المشاركين غير المنتمين إلى قوات الأمن بالانسحاب، استمر بعضهم في المشاركة بالعمليات القتالية، ونقاط التفتيش، ومداهمات المنازل بعد 8 مارس/آذار.
توصيات للإصلاح والمحاسبة:
أوصى التقرير الحكومة الانتقالية في سوريا، بضمان خضوع جميع الفصائل المسلحة التي دمجت في الجیش السوري لقيادة موحدة، وإخضاعها لإعادة ھیكلة شاملة ترمي إلى تفكيك شبكات الولاء الداخلية والقضاء على الطابع الفصائلي.
وضمان القدرة على تحديد ھویة جميع عناصر القوات العسكرية والأمنية وفق الفصيل أو الجھاز الذي ينتمون إليه أثناء تنفيذ العمليات. وإنشاء ھیئة تفتیش أو ھیئة رقابة مدنية، تتمتع بصلاحيات التحقیق في أي تجاوزات من قبل القوات الأمنیة وإحالة المشتبه بهم للقضاء، وإجراء تدقيق شديد بشأن القادة والمقاتلين من جمیع الفصائل قبل تعیینھم في أي مناصب رسمية، والإفصاح علنًا عن معايير وإجراءات التقییم.
وتطبيق لائحة قواعد السلوك والانضباط العسكري المعتمدة حدیثًا من خلال إنشاء آلیات تأدیبیة واضحة، مع الالتزام بتقديم تدريبات منتظمة في مجال حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني. وإنشاء ھیئة لتلقي الشكاوى، ومنح التعويضات، وأشكال أخرى من الجبر، لضحايا أعمال العنف غير المشروع وتدمير الممتلكات التي ارتكبھا أفراد القوات الأمنیة منذ ديسمبر/كانون الأول 2024.
بالإضافة إلى إدراج الجرائم الدولیة وأشكال المسؤولیة المرتبطة بھا، بما في ذلك المسؤولیة القیادیة، وضمان محاسبة الرؤساء ضمن القانون الوطني السوري، لتمكين التحقيق والملاحقة الفعالة، للمدنيين والعسكريين جنائیًا عند إصدارھم أوامر بارتكاب الانتھاكات، أو تسھیلھم إیاھا، أو تقاعسھم عن منعھا أو معاقبة مرؤوسیھم الذین یرتكبونھا. ويجب أن یُطبق القانون بأثر رجعي لضمان المساءلة عن الجرائم الدولية المرتكبة في ظل السلطات السابقة والفترة الانتقالية على حد سواء.
ونشر التقرير الكامل للجنة تقصي الحقائق بشكل علني، مع توفير الضمانات الكافية لحماية ھوية الشهود، ومراعاة حقوق المتھمين خلال الإجراءات القانونية الواجبة. وضمان أن تشمل الإجراءات القضائية التحقيق في المسؤولية المؤسسية إلى جانب الجرائم الفردية. ودعم كافة الجھود الموثوقة لتحقيق عدالة مستقلة ونزیھة للضحايا والناجين من الجرائم التي ارتكبتھا جمیع أطراف النزاع الممتد بين 2011 و2024، بما في ذلك توسیع ولایة “الھیئة الوطنية للعدالة الانتقالية” بشكل واضح، مع استبعاد أي عفو عن الجرائم الدولية الجوھریة، والتعاون الفعّال مع الآليات الدولية القائمة.