بعد مرور أكثر من ثلاثة أشهر على المجازر التي شهدتها منطقة الساحل السوري في آذار/مارس 2025، نشرت وكالة “رويترز” تحقيقًا موسّعًا كشفت فيه عن تفاصيل جديدة بشأن الانتهاكات التي راح ضحيتها نحو 1500 شخص، وفقاً لما ورد في التحقيق.
واتّهم التحقيق جهات حكومية سورية بالضلوع في تنفيذ المجازر، مشيرًا إلى تورّط ما لا يقل عن 12 فصيلًا عسكريًا، تتبع بشكل مباشر أو اسمي لوزارة الدفاع السورية.
وبيّن التحقيق أن بعض هذه الفصائل تنضوي تحت “هيئة تحرير الشام”، التي تشكّل اليوم نواة وزارة الدفاع في الحكومة الحالية، ومن أبرزها “لواء عثمان” و”الوحدة 400″. كما ذكر تورّط فصائل أخرى مدعومة من تركيا، أبرزها فرقة “الحمزة”، و”لواء السلطان سليمان شاه”، إلى جانب فصيل يضم عناصر أجنبية، وفصيل “جيش الإسلام” العامل في ريف دمشق.
وأشار التحقيق أيضًا إلى أن جهاز الأمن العام كان ضالعًا بشكل مباشر في ارتكاب انتهاكات بحق مدنيين خلال تلك الفترة، دون أن يصدر أي تعليق رسمي من وزارتي الدفاع أو الداخلية، أو من فصيل “جيش الإسلام” حول نتائج التحقيق. في المقابل، نفى محمد الجاسم، المعروف بـ”أبو عمشة”، قائد فصيل “السلطان سليمان شاه” (العمشات)، تورّط مجموعته في تلك الأحداث.
عقوبات على كيانات وأشخاص لارتباطها بأحداث الساحل قبل تقرير رويترز:
من الجدير بالذكر أن الاتحاد الأوروبي فرض عقوبات في 28 من أيار/مايو 2025 ، على كل من محمد حسين الجاسم، الملقب بـ”أبو عمشة”، (وقد تم تعيينه قائداً لإحدى الفرق في الجيش السوري، قبلها، قاد الجاسم “فرقة السلطان سليمان شاه” المعروفة محليًا بـ”العمشات”). وسيف بولاد (أبو بكر) قائد فرقة “الحمزات”، والمعيّن حديثاً قائداً للفرقة “76” في الجيش السوري، بسبب اتهامات تلاحقهما بالمسؤولية عن “انتهاكات خطيرة” جرت في الساحل بحق أبناء من الطائفة العلوية.
كما أدرج الاتحاد الأوروبي الفصيلين التابعين للجاسم وبولاد وهما “لواء السلطان سليمان شاه”، والمعروف باسم فصيل “العمشات”، و”فرقة الحمزة”، والمعروفة باسم فصيل “الحمزات”، في قائمة العقوبات، إضافة إلى فصيل آخر، هو “فرقة السلطان مراد”، واستثنى القرار الأوروبي قائده فهيم عيسى الذي يشغل منصب معاون وزير الدفاع حاليًا.
ووفق القرار الأوروبي، فإن الكيانات التي يقودها هذان الشخصان كانت مسؤولة عن انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، شملت عمليات قتل تعسفية خلال أعمال العنف التي اندلعت في الساحل السوري بين 6 و10 آذار/مارس 2025، في واحدة من أكثر موجات العنف دموية منذ سقوط نظام بشار الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024.
وأورد الاتحاد الأوروبي أنه تم استهداف هذه الفصائل الثلاثة واثنين من المسؤولين عنها بالعقوبات لضلوعهم في “جرائم تعسفية” و”أعمال تعذيب” وقعت في مارس/آذار الماضي، في العديد من مدن وبلدات الساحل السوري.
وجاءت العقوبات رغم نفي “أبو عمشة” ارتكاب عناصر فرقته أي انتهاكات، وفق ما نشره عبر صفحاته أو ما أدلى به لوسائل إعلام، قائلًا إن فرقته مدربة ولا تقع في فخ أو في مكائد.
القرار جاء بعد يوم من رفع الاتحاد الأوروبي العقوبات الاقتصادية عن سوريا، لدعم عملية التحول السياسي في البلاد ولمساعدة الاقتصاد السوري على التعافي، وذلك بعد اتفاق سياسي توصل له وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي لرفع العقوبات.
وتجدر الإشارة هنا إلى أنها ليست المرة الأولى التي تُفرض فيها عقوبات دولية على هذه الشخصيات، إذ سبق أن فرضت وزارة الخزانة الأمريكية في 17 آب 2023 عقوبات على:
- فرقة السلطان سليمان شاه وقائدها محمد الجاسم (أبو عمشة) وشقيقه وليد الجاسم.
- فرقة الحمزات وقائدها سيف الدين بولاد (أبو بكر).
وقد علّق أبو عمشة حينها على العقوبات الأمريكية واعتبرها ذات “دوافع سياسية”، بينما وصفتها وزارة الدفاع في “الحكومة السورية المؤقتة” بأنها “عقوبات جائرة ولا تستند إلى مبادئ العدالة والحق”.
وأعلن مجلس الاتحاد الأوروبي، أنه سيُبقي على العقوبات المفروضة عائلتي الأسد ومخلوف، ورموز نظام الأسد وجيشه والأشخاص المرتبطين به، بما في ذلك رجال الأعمال والميليشيات والجماعات المسلحة المرتبطة به.
الاتحاد الأوروبي: الوضع في سوريا لا يزال غير مستقر:
وفي بيان له قال الإتحاد الأوروبي: إنه “على الرغم من سقوط نظام الأسد وتأسيس السلطات الانتقالية، إلا أن الوضع في سوريا لا يزال غير مستقر، كما أن شبكة الأسد المنتشرة داخل سورية وخارجها. لا يزال هناك خطر حقيقي من زعزعة الاستقرار وعودة محتملة لنفوذ النظام السابق. ويتجلى ذلك في الحوادث الداعمة لنظام الأسد بهدف تقويض العملية الانتقالية، والتي أدت إلى عنف دموي في المنطقة الساحلية السورية.
توصيات للحكومة الانتقالية السورية:
- إبعاد الشخصيات المتورطة عن مواقع السلطة والنفوذ: يجب على الحكومة الانتقالية اتخاذ موقف واضح تجاه الأفراد والكيانات التي طالتها العقوبات الأوروبية الأخيرة، من خلال إبعادهم فورًا عن أي مناصب عسكرية أو مدنية، وضمان المحاسبة وتعويض المتضررين وضمان عدم التكرار.
- التعاون مع لجان التحقيق الدولية: يُفترض أن تتعاون اللجنة المستقلة للتحقيق في أحداث الساحل مع لجان دولية، وتوفير المعلومات اللازمة حول تلك الأحداث، خاصة تلك التي وقعت بين 6 و10 آذار 2025، بهدف إثبات الجدية في كشف الحقائق ومحاسبة المسؤولين، بغض النظر عن انتماءاتهم.
- استثمار رفع العقوبات بشكل إيجابي: يمكن للحكومة السورية الاستفادة من رفع العقوبات الأوروبية عبر جذب الاستثمارات إلى قطاعات حيوية مثل الطاقة وإعادة الإعمار، وإعادة تأهيل البنية التحتية وغيرها، وتنشيط الاقتصاد المحلي. كما تتيح هذه الخطوة فرصة لتعزيز الثقة الدولية، واستعادة الكفاءات السورية في الخارج، وفتح الباب أمام شراكات اقتصادية جديدة، بشرط أن تقترن بإصلاحات شفافة، ومحاسبة حقيقية، وضمان بيئة قانونية وآمنة للاستثمار.
- محاسبة جميع المتورطين في جرائم بحق المدنيين من كل الأطراف، لبناء ثقة السوريين بالدولة ومؤسساتها.
- يجب على الحكومة الانتقالية أن تبادر بخطوات عملية تثبت قدرتها على إدارة مرحلة ما بعد الأسد بوعي وشفافية ومسؤولية. تثبت أنها ليست امتداداً للفوضى، بل بداية حقيقية لدولة القانون والمؤسسات.