بعد مرور ما يقارب خمسة أشهر على أحداث الساحل، برزت أمام الرأي العام تقريران رئيسيان، أحدهما صادر عن لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة في الرابع عشر من آب/أغسطس 2025، والآخر عن اللجنة الوطنية السورية لتقصي الحقائق، التي أعلنت نتائجها بعد تسليم تقريرها للرئيس المؤقت أحمد الشرع. ورغم أن كلا التقريرين ينطلقان من الاعتراف بحجم الانتهاكات التي لحقت بالمدنيين خلال تلك الفترة، إلا أن اختلاف المنهجية وتوصيف المسؤوليات يضع القارئ أمام سرديتين متمايزتين للحدث ذاته. ورغم تصريح الوزير الشيباني في بيان نشرته الوزارة عبر معرفاتها الرسمية، بأن ما ورد في تقرير لجنة التحقيق الدولية ينسجم مع ما توصلت إليه لجنة تقصي الحقائق الوطنية المستقلة. إلاّ أنّ آراء أخرى رأت خلاف ذلك.

إذ خلص تقرير لجنة التحقيق الأممية إلى أن “الانتهاكات بما في ذلك الأفعال التي من المحتمل أن ترقى إلى جرائم، بما في ذلك جرائم حرب ارتكبها كل من المقاتلين المؤيدين للحكومة السابقة وأفراد القوات الحكومية المؤقتة، وكذلك أفراد عاديون“، موضحًا أن اللجنة لم تجد “أي دليل على وجود سياسة حكومية محددة أو خطة لشن الهجمات“. أما  تقرير اللجنة الوطنية لتقصي الحقائق، حمّل “فلول النظام السابق” المسؤولية الأساسية، متهماً إياهم بتنفيذ سلسلة عمليات عدائية واسعة في السادس من مارس/آذار استهدفوا فيها بالأسلحة الثقيلة والمتوسطة والخفيفة مقرات الجيش والأمن العام، والحواجز والدوريات التابعة لها، وقطعوا الطرقات الرئيسية، وقتلوا حسبما توصلت له اللجنة 238 شابًا من عناصر الأمن والجيش في محافظات اللاذقية وطرطوس وحماة.

وتحققت “اللجنة الوطنية” من أسماء 1426 قتيلًا، منهم 90 امرأة والبقية معظمهم مدنيون، وبعضهم عسكريون سابقون أجروا تسويات مع السلطات المختصة، ولم تستبعد اللجنة وجود عدد من عناصر الفلول بين القتلى، وترجح أن معظم حوادث القتل وقعت خارج أو بعد انتهاء المعارك العسكرية.

اختلاف توصيف طبيعة الاستهداف:

ذكر تقرير لجنة التحقيق الدولية المستقلة في الفقرة “74” أن عمليات القتل استهدفت الأسر كمجموعة، وليس عملية ضد فلول فردية، “ووفقًا لأفراد العائلات، كان معظم الضحايا يعملون في مهن مدنية. كما قتل معظم الضحايا في الغالب في الأحياء العلوية الواقعة في القرى المختلطة أو في المناطق التي يعرف أن الأقلية العلوية تقيم فيها في الغالب مما يشير إلى استهداف بدوافع طائفية“.

في المقابل، قالت لجنة التحقيق الوطنية إن الدوافع الطائفية في معظمها ذات خلفية ثأرية وليست إيديولوجية.

كما ذكرت اللجنة الدولية في الفقرة 87 بأنه “ومن خلال النهب الواسع النطاق للمتلكات الخاصة في الدعتور والقصور والمختارية وطرطوس والقبو والصنوبر وتل سلحب والرصافة وارزة وعين العروس بين 7 و12 آذار/مارس 2025 على الأقل، شارك أفراد من قوات الحكومة المؤقتة وأفراد عاديون كما هو مذكور أعلاه في اعمال نهب تنتهك القانون الإنساني الدولي، وقد تشكل هذه الأفعال جرائم حرب، كما انها ترقى الى مستوى التدخل غير المشروع في الخصوصية والأسرة والمنزل بموجب القانون الدولي لحقوق الانسان”. وأكدت اللجنة على ان “الدولة تتحمل المسؤولية الدولية لان العديد من الجناة المزعومين كانوا قوات وأفراداً تصرفوا بصفتهم الرسمية” (الفقرة 90).

في حين قالت (لجنة التحقيق الوطنية) إنها توصلت إلى تحديد أفراد ومجموعات يرتبطون ببعض المجاميع والفصائل العسكرية من مجمل القوات المشاركة، “وترجح اللجنة بأن هؤلاء الأفراد والمجموعات خالفوا الأوامر العسكرية ويشتبه بارتكابهم انتهاكات بحق المدنيين“.

وتعتقد اللجنة الوطنية بأن الانتهاكات رغم أنها واسعة لم تكن منظمة، ووقعت بدوافع متعددة، فبعض المتهمين المحتملين هم من أفراد الفصائل المسلحة، وبعضهم لا مرجعية لهم تحركوا فرادى وتطوعوا مع الفصائل أو شكلوا مجموعات صغيرة بسبب خوفهم على دولتهم وعائلاتهم من عودة نظام الأسد”، “أو من أجل نجدة أبناءهم المتطوعين في القوات الحكومية والمحاصرين من قبل فلول الأسد، أو بعضهم بدوافع الانتقام ممن يظنون أنهم شاركوا بقتل أحبائهم وتعذيبهم واغتصابهم، ومنهم من شكل عصابات أشرار بقصد القتل أو النهب أو السرقة، ومنهم من انتحل صفة العناصر الحكومية لكسب منافع خاصة غير مشروعة أو للإساءة، ومنهم من ينتمي لمجموعات الغجر التي تقطن المنطقة والتي انضم كثير منها أو تعاون سابقا مع شبيحة نظام الأسد ضد معارضيه”.

 أما تقرير اللجنة الدولية، حدد بشكل واضح فصائل بعينها متورطة في الانتهاكات، ووفقًا للفقرة “88” ذكر أن اللجنة وجدت أيضًا أن “أعضاء بعض فصائل قوات الأمن التابع للحكومة المؤقتة، بما في ذلك على سبيل المثال لا الحصر الفرقة 62 التي كانت تعرف سابقاً باسم لواء السلطان سليمان شاه التابع للجيش الوطني السوري، والمعروف أيضًا باسم العمشات، والفرقة 76 (المعروفة سابقًا باسم فرقة الحمزة التابعة للجيش السوري الوطني والمعروفة أيضاً باسم فصيل حمزة)، وأحرار الشام والفرقة 400 التي تتألف من ألوية سابقة تابعة لهيئة تحرير الشام، شاركوا في عمليات قتل خارج نطاق القضاء وتعذيب وسوء معاملة السكان المدنيين في القرى ذات الأغلبية العلوية بشكل منهجي وواسع النطاق”.

قضايا حساسة لم يتطرق لها التقرير الوطني:

تطرق التقرير الدولي إلى  قضايا حساسة، مثل شعور النساء العلويات بضرورة ارتداء الحجاب خوفًا من الاستهداف، في الفقرة “81” قالت اللجنة: “أبلغت بعض النساء العلويات اللجنة أنهن شعرنَ أنهن مجبرات على ارتداء الحجاب لإخفاء انتمائهن الطائفي ومنع أي تحرش أو ترهيب. وتؤدي هذه الانتهاكات، والخوف من وقوع المزيد منها، إلى مزيد من النزوح مما يؤثر على الناجين من أحداث آذار/مارس، وكذلك على أفراد آخرين من الأقلية العلوية الذين فر العديد منهم إلى مناطق أخرى من سوريا أو لجأوا إلى الخارج”.

وإعلان النفير العام من المساجد، ذكرت الفقرة “63” من التقرير الدولي، “انتشرت دعوات للحشد الديني والنفير العام على نطاق واسع على مواقع التواصل الاجتماعي وكذلك عبر مكبرات الصوت في المساجد في عدة مدن، بما في ذلك في حماة وحمص واللاذقية وبانياس وجبلة وحلب”.

“وثقت اللجنة الدولية استخدام لغة مهينة ضد النساء، وتهديدات بالاختطاف والزواج القسري من قبل أعضاء الفصائل المسلحة، في الأيام التي سبقت أحداث آذار/مارس وخلالها. “وخلال الأحداث أشار بعض الرجال المسلحين إلى النساء العلويات بأنهن عبيد وغنائم حرب أو أمرن بالذهاب إلى إدلب للاستعداد للجهاد لاسيما في أعقاب الحوادث التي أعدم فيها العديد من أفراد الأسرة الذكور “.

بالإضافة إلى حالات الخطف التي ما تزال مستمرة. ذكر التقرير الدولي في الفقرة “81” إنه “في وقت وضع اللمسات الأخيرة على هذا التقرير كانت اللجنة لا تزال تتلقى معلومات عن استمرار انتهاكات في العديد من المناطق المتضررة، بما في ذلك استمرار أعمال النهب وانتهاكات السكن والأراضي والممتلكات، فضلًا عن عمليات الاختطاف والاعتقالات التعسفية والاختفاء القسري. واستمر كذلك التحرش والتهديد والضرب والشتم الطائفي وإهانة الرجال من الطائفية العلوية في مدينة جبلة وأحياء مدينة اللاذقية”. أما لجنة التحقيق الوطنية فلم تتطرق إلى مثل هذه القضايا.

اختلاف التوصيف القانوني:

الاختلاف بين استنتاجات اللجنة الوطنية ولجنة التحقيق الدولية شمل أيضًا الإطار القانوني. إذ اعتمدت اللجنة الوطنية لتقصي الحقائق في توصيفها على قانون العقوبات السوري وقانون العقوبات العسكري، معتبرة أن ما جرى يندرج تحت “جرائم وانتهاكات جسيمة كالشتم بعبارات طائفية والسلب المسلح والتعذيب والقتل الواقع على موظفين عاملين خلال قيامهم بوظائفهم والتمثيل بجثثهم وقتل المدنيين وإثارة النعرات الطائفية، ومحاولة سلخ جزء من أراضي الدولة السورية عن سيادتها”.

من جهتها صنفت لجنة التحقيق الدولية الانتهاكات على أنها ترقى إلى جرائم، بما في ذلك جرائم حرب، أو جرائم ضد الإنسانية، مستندة إلى القانون الإنساني الدولي واتفاقيات جنيف ونظام روما الأساسي.

وأوصت اللجنة الدولية في بيانها “الجمهورية العربية السورية بالتصديق على نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية إلى جانب الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري والبروتوكول الاختياري لاتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة”، فيما لم تتطرق اللجنة الوطنية إلى أي من ذلك،  واقتصرت على التوصية بالانضمام إلى “الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري”.