أصدرت منظمة “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة ” تقريراً في 14 من كانون الثاني/يناير، قالت فيه إن عمل عدد من مؤسسات الدولة السورية المرتبطة مباشرة بالحقوق المدنية الأساسية، وفي مقدمتها دوائر الأحوال المدنية، توقف بعد سقوط نظام بشار الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024.

وأوضحت المنظمة أنه بالرغم من إعادة تفعيل بعض هذه الدوائر تدريجياً في عدد من المناطق والمحافظات السورية خلال الأشهر اللاحقة، بقي شمال شرق سوريا خارج هذا المسار، حيث لا تزال دوائر السجل المدني متوقفة بالكامل.

وبحسب إفادات جمعتها “سوريون”، كانت دوائر الأحوال المدنية في محافظة الحسكة، خلال حكم النظام السابق، تعمل ضمن ما يُعرف بـ”المربع الأمني”، وترتبط مباشرة بقاعدة البيانات المركزية للسجل المدني التابع للحكومة في دمشق. وبعد سقوط النظام، عاد موظفو السجل المدني إلى وظائفهم، غير أن قوات الأمن الداخلي “الأسايش” التابعة للإدارة الذاتية والمسيطرة ميدانياً آن ذاك، أبلغتهم بتعليق العمل مؤقتاً، إلى حين اتضاح المشهد العام في البلاد. لكن هذا التعليق تحوّل لاحقاً إلى توقف طويل الأمد، في ظل عدم التوصل إلى تفاهمات بين الإدارة الذاتية والحكومة الانتقالية بدمشق.

وتشير شهادات وثقتها “سوريون” إلى أن الحكومة الانتقالية أقدمت لاحقاً على قطع خط البريد (الشبكة) الذي كان يربط الحسكة بقاعدة البيانات العامة للدولة، ويستخدمه موظفو دائرة الأحوال المدنية للوصول إلى السجلات المركزية وتحديثها، وقد أدى هذا الانقطاع إلى شلل كامل في السجل المدني، حتى في الحالات التي توفرت فيها الكوادر البشرية، نظراً لاعتماد هذه الدوائر بشكل أساسي على الربط المركزي لإنجاز أي معاملة رسمية، ورغم ذلك، لا يزال موظفو السجل المدني يتقاضون رواتبهم عبر تطبيق “شام كاش”.

وأدّى هذا التعليق الكامل لعمل السجل المدني، دون صدور قرار بإعادة التفعيل أو اعتماد ترتيبات بديلة، إلى فراغ قانوني وإداري واسع في حياة المدنيين/ات في هذه المناطق. وقد انعكس هذا الفراغ في تعذّر تسجيل الوقائع الأساسية والحصول على المستندات المدنية، بحسب التقرير.

وفي مناطق أخرى من سوريا مثل دمشق، استؤنفت خدمات السجل المدني في مراكز خدمة المواطن منذ آذار/مارس 2025. بما يشمل إصدار القيود والشهادات المدنية الأساسية. ويعكس هذا التفاوت الجغرافي اختلالاً بنيوياً في ضمان الحقوق المدنية، رغم الإعلان عن اتفاق سياسي بين الحكومة الانتقالية والإدارة الذاتية في 10 آذار/مارس 2025.

الحق في الشخصية القانونية بين المعايير الدولية والتشريعات الوطنية:

ويُعدّ الحصول على الوثائق المدنية حقاً قانونياً أساسياً مكفولاً لكل مواطن/ة، وليس امتيازاً إدارياً خاضعاً للظروف السياسية أو الأمنية.

ويمثل الإخلال بهذا الحق القانوني انتهاكاً جسيماً لالتزامات الدولة السورية بموجب القانون الدولي، الذي يقر بالحق في الشخصية القانونية كحق غير قابل للتقييد. فبموجب المادة (6) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والمادة (16) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، يُعد الاعتراف بالشخصية القانونية في كل مكان وأوان واجباً أصيلاً على الدولة. كما يضع هذا الفراغ الإداري سوريا في مواجهة مباشرة مع التزاماتها في المادة (24) من العهد الدولي والمادتين (7) و(8) من اتفاقية حقوق الطفل، والتي تفرض جميعها تسجيل الطفل فور ولادته وضمان حقه في الاسم والجنسية والحفاظ على هويته دون إبطاء. إن إخفاق السلطات في إيجاد حلول قانونية وتفويضية للاعتراف بالوقائع المدنية يكرس حالة ‘التيه القانوني’ لآلاف السكان، ويجردهم من حقوق أساسية لا يمكن الاستغناء أو التنازل عنها، مما يتناقض مع المعايير الدولية التي صادقت عليها سوريا والتزمت بحمايتها.
وعلى المستوى الوطني ينص الإعلان الدستوري السوري على مبدأ المساواة أمام القانون، وضمان الحقوق المدنية، بما في ذلك الحق في الهوية القانونية والتسجيل الرسمي للوقائع الأساسية، كما  ينص  الإعلان على أن “تصون الدولة حقوق الإنسان وحرياته الأساسية، وتكفل حقوق المواطن وحرياته” وبحسب المادة 12 من الإعلان الدستوري “تعد جميع الحقوق والحريات المنصوص عليها في المعاهدات والمواثيق والاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان التي صادقت عليها الجمهورية العربية السورية جزءا لا يتجزأ من هذا الإعلان الدستوري.

كما ينظّم قانون الأحوال المدنية السوري الصادر بالمرسوم التشريعي رقم (13) لعام 2021 الذي حل محل قانون الأحوال المدنية الصادر بالمرسوم التشريعي رقم (26) لعام 2007 وتعديلاته. تسجيل الوقائع المدنية الأساسية، بما في ذلك حالات الولادة والوفاة والزواج والطلاق، وإصدار الوثائق الرسمية المرتبطة بها، ويُلزم الدولة عبر دوائرها المختصة بضمان هذا التسجيل بصورة منتظمة ومستمرة.

وبناءً عليه، فإن تعطّل دوائر الأحوال المدنية أو الامتناع عن تقديم خدماتها لا يشكّل خللاً إدارياً فحسب، بل يُعدّ إخلالاً بالتزامات قانونية صريحة، وانتهاكاً للحق في الشخصية القانونية، وما يترتب عليه من حقوق مدنية واجتماعية مكفولة بموجب القوانين الوطنية والإعلان الدستوري

ويصطدم هذا الإطار القانوني اليوم بواقع تعطّل شبه كامل لدوائر الأحوال المدنية الرسمية في شمال شرق سوريا، ما حوّل هذا الحق المكفول قانوناً إلى عبء عملي ومعاناة يومية على المدنيين/ات، وخلق فراغاً قانونياً واسعاً انعكس بشكل مباشر على حياتهم وحقوقهم الأساسية.

تداعيات إغلاق السجل المدني شمال شرق سوريا

بحسب تقرير “سوريون”، فإن المخاطر الناجمة عن اغلاق دوائر السجل المدني تكتسب أهمية مضاعفة في شمال شرق سوريا في ضوء التجربة التاريخية لإحصاء الحسكة الاستثنائي لعام 1962، الذي حرم آلاف الأسر الكردية من الجنسية السورية وما ترتب عليه من انتهاكات واسعة للحقوق المدنية والسياسية والاجتماعية.   موضحاً أن استمرار الفراغ في مجال التسجيل المدني يعيد استحضار تلك المعاناة التاريخية، ويُفاقم القلق من آثار تراكمية طويلة الأمد على الاعتراف القانوني بالسكان وحقوقهم الأساسية.

في ظل هذا الاغلاق المستمر، برزت خلال العام الماضي محاولات جزئية لمعالجة الفراغ الإداري والقانوني القائم. لكنها محدودة الأثر، ومحكومة بقيود قانونية وسياسية حالت دون توفير حماية قانونية حقيقية للمدنيين/ات. إذ لجات الإدارة الذاتية إلى إجراءات محلية للتخفيف من آثار التعطيل، مثل إصدار وثائق محلية لتسيير شؤون الناس اليومية داخل مناطقها وتوثيق واقعات الولادة والوفاة والزواج والطلاق ضمن سجلات خاصة، غير أن هذه الوثائق غير معترف بها رسمياً، ولا يمكن التكهن بمستقبلها القانوني.

وفي محاولة لسد هذا الفراغ، طرح بعض من قابلتهم “سوريون مقترحات لحلول إسعافية، من بينها فتح مكاتب ارتباط مؤقتة تابعة للسجل المدني المركزي، وأرشفة الوقائع المدنية إلكترونياً إلى حين التوصل إلى تسوية مؤسسية.

ويعتبر البعض أن هذا الخيار ممكن من حيث المبدأ “إذا تم نقل هذه البيانات رسمياً بعد الاتفاق بين الحكومة والإدارة الذاتية”، وفي الوقت ذاته فإن أي توثيق لا يقترن بتفويض قانوني واضح وآلية اعتراف لاحقة يظل محدود الأثر.

توصيات “سوريون”

أوصت منظمة “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” الحكومة السورية الانتقالية عدة توصيات منها تحمّل المسؤولية القانونية الكاملة عن ضمان الحق في الشخصية القانونية، عبر إعادة تفعيل دوائر الأحوال المدنية في شمال شرق سوريا، أو اعتماد آليات بديلة معترف بها رسمياً.

وضمان عدم تعليق أو تقييد الحقوق المدنية الأساسية أو استخدامها كأداة ضغط في أي خلاف سياسي أو تفاوضي، وضمان استمرار خدمات السجل المدني بوصفها التزاماً قانونياً على عاتق الدولة، وإصدار إطار قانوني وتنفيذي واضح للاعتراف بالوقائع المدنية التي حدثت خلال فترة الانقطاع (ولادة، وفاة، زواج، طلاق)، دون فرض أعباء إضافية.

كما أوصت الإدارة الذاتية في شمال شرق سوريا، بالاستمرار في توثيق الوقائع المدنية ضمن سجلات منظمة وقابلة للتدقيق، مع ضمان حماية البيانات وأرشفتها لمنع ضياعها أو العبث بها، وإبلاغ السكان بوضوح بحدود الاعتراف القانوني بالوثائق المحلية، وآثار استخدامها داخل وخارج المنطقة.

والدفع باتجاه اعتراف رسمي بالوثائق الصادرة خلال فترة الانقطاع، في حال توافرت فيها المعايير القانونية المطلوبة، عبر قنوات تفاوض مؤسسية مع الحكومة الانتقالية.