منذ سقوط النظام السوري في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، ينتظر السوريون/ات تحقيق العدالة ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة التي طالت حقهم في الحياة وخلّفت مئات آلاف الضحايا. وتكرر استخدام مصطلح العدالة كأحد المرتكزات الأساسية لبناء السلام، حيث لا يمكن الحديث عن مصالحة وطنية حقيقية دون معرفة ما حدث ومساءلة الجناة وجبر ضرر الضحايا.

ورغم مضي أشهر على تغيير السلطة، لم تصدر حتى الآن أي قرارات قضائية بحق المتورطين في جرائم القتل، ولم تتم إحالة أي منهم إلى القضاء المختص على الرغم من اعتقال العشرات من المشتبه بارتكابهم جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، كما أثار استياءً واسعاً قيام بعض الجهات السياسية بالتغاضي عن ملاحقة عدد من كبار الضباط المتورطين في الانتهاكات، بل والسماح لهم بحرية التنقل داخل البلاد دون مساءلة قانونية. ويعتبر إطلاق سراح عدد من عناصر النظام السابق بقرار من “لجنة السلم الأهلي”، خرقا كبيرا لمبدأ الفصل بين السلطات وتعدياً صارخاً على اختصاص السلطة القضائية المخوّلة بإصدار قرارات التوقيف والترك.

ولأن الطريق إلى المحكمة الجنائية الدولية مغلق أمام الضحايا في الوقت الحالي، ولم يتم إنشاء محكمة جنائية (دولية خاصة أو مختلطة) خاصة بجرائم الحرب او جرائم ضد الإنسانية المرتكبة في سوريا، فإنّ من حقّ الضحايا اختيار اللجوء إلى القضاء السوري الداخلي لمحاسبة المتهمين في حال رغبتهم، وذلك على الرغم من الإصلاحات القانونية المطلوبة لإعادة بناء الجهاز القضائي في سوريا.

التوصيف (التكييف) القانوني لجرائم القتل:

 جرائم القتل التي ارتكبت خارج سياق النزاع المسلح في سوريا، كالقتل أثناء مشاجرة او كرد فعل انتقامي لأي سبب كان، أو غيره من أنواع القتل التي لا تخفي أي دوافع سياسية خلفها، وكان من غير الممكن لأهالي الضحايا الوصول إلى القضاء حينها لسبب أو لآخر، كأن يكون المتهم مقرباً من السلطة الحاكمة، أو بسبب عدم تواجد المدّعي في أماكن سيطرة النظام، أو غير ذلك من الأسباب، فإنه يمكن القول بان بإمكانهم الآن المطالبة بمحاسبة الفاعل/ ين في حال معرفته/م، ويتوجب على القضاء السوري النظر في هذا النوع من القضايا وفقاً لقانون العقوبات السوري حسب الأدلة المطروحة أمامه، وهذا الكلام ينطبق أيضاً على تلك الجرائم التي ارتكبت بعد سقوط نظام الأسد.

وتجدر الإشارة هنا، إنه وفور سقوط نظام الأسد قد تمّ فتح أبواب السجون والمعتقلات واطلاق سراح جميع المعتقلين، وعلى الرغم من أهمية هذه الخطوة التي منحت الحرية لكل المعتقلين السياسيين ومعارضي النظام السابق، وكشفت عن مصير عدد من المفقودين والمختفين قسرياً، فإنها لا تخلو من بعض المخاطر، فمن المؤكد إن فتح السجون بالطريقة التي تمت سمحت أيضاً لمئات وربّما آلاف المتهمين أو المحكومين بالجرائم الجنائية، ومنها جرائم القتل، بالخروج من السجن قبل أن تتم محاكمتهم بشكل كامل، أو قبل أن يتمّ تنفيذ العقوبة المقررة بحكم قضائي مبرم، وفي مثل هذه الحالات يحق لأهالي الضحايا، إعادة فتح تلك الملفات القضائية، والمطالبة بمتابعة محاكمة المتهمين أو الفاعلين الفارين، أو تنفيذ الحكم الصادر بحقهم، حسب الحال.

أما بالنسبة لجرائم القتل التي وقعت في سياق النزاع المسلح، سواء قبل سقوط نظام الأسد أو بعده، كقتل المدنيين خارج نطاق القضاء، أو استخدام الأسلحة العشوائية التي لا تميز بين العسكريين والمدنيين، والقتل تحت التعذيب ونتيجة العقوبات القاسية، وغيرها من أنماط القتل التي ارتكبت منذ العام 2011، فإن من حقّ الضحايا وذويهم أن يتمّ توصيف الجرائم الواقعة بحقهم توصيفاً يتناسب مع جسامة الجرائم التي وقعت عليهم.

 وقد استثنى الإعلان الدستوري السوري جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الإبادة الجماعية من مبدأ عدم رجعية القوانين، ومع إن ما يعيب هذه المادة هو أنها حصرت هذا الاستثناء بجرائم النظام السابق فقط، فإنه يمكن البناء عليها بشكل جزئي، بحيث يتم إعطاء الحق للقضاء السوري بالبحث في هذه الجرائم وتوصيفها التوصيف القانوني السليم، بناء على هذا التوصيف الوارد في الإعلان الدستوري، وبناء على القاعدة 161 من قواعد القانون الدولي العرفي الإنساني، التي تنص على إن جرائم الحرب تستثنى من مبدأ التقادم، كما أكدت اجتهادات العديد من محاكم الجنايات الدولية والمحلية على عدم انطباق قوانين التقادم على الإجراءات الجنائية المتعلقة بالجرائم ضد الإنسانية.

 وعلى الرغم من هذا التفسير لنص الإعلان الدستوري وإمكانية الاستفادة منه في إسباغ التوصيف القانوني الصحيح على الجرائم المعروضة على القضاء، فإن الحكومة الانتقالية مطالبة بالمصادقة على نظام روما للمحكمة الجنائية الدولية، الذي يبين بشكل واضح عناصر وأركان جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وكذلك جريمة الإبادة الجماعية والعدوان، كي يتمكن القضاء السوري وبأريحية تطبيق التوصيف القانوني الصحيح على الجرائم التي تعرض عليه، في حال توافرت الشروط والأركان والظروف المطلوبة في كل جرم، ولتجنب صدور تفسيرات واجتهادات متناقضة من المحاكم السورية مستقبلاً حول صحة هذا التفسير من عدمه. وهو ما يتطلب أيضاً إصلاحات تشريعية فورية وموائمة القوانين السورية مع القوانين الدولية.

العدالة الانتقالية ليست بديلاً عن المساءلة القضائية:

إنّ التسامح مع مرتكبي جرائم القتل لا يدخل ضمن صلاحيات السلطة الانتقالية أو لجان المصالحة، لأنه حقّ شخصي لأهالي الضحايا والمتضررين لا يجوز التنازل عنه إلا بإرادتهم الصريحة. وفي ظل استمرار الإفلات من العقاب، وتأخر ملاحقة الجناة، يزداد خطر تكرار هذه الجرائم، خاصة مع انتشار السلاح وغياب سلطة قضائية رادعة في بعض المناطق.

وهذا ما يفرض على الحكومة الانتقالية عدم منح أي شكل من أشكال الحصانة أو العفو عن الجرائم المرتكبة طوال السنوات السابقة، مع ضرورة احترام مبدأ الفصل بين السلطات، وعدم منح أي جهة غير قضائية صلاحية الحسم في القضايا الجزائية، وكذلك لا بد من حماية الأدلة الحساسة مثل المقابر الجماعية، ووثائق السجون، وأرشيف الأجهزة الأمنية، وحفظها بما يضمن إمكانية استخدامها أمام المحاكم، والتعاون مع ذوي الضحايا وتسهيل وصولهم إلى الوثائق والأدلة التي تعزز مطالبهم القضائية، بالإضافة على ضرورة المسارعة في الانضمام إلى نظام روما للمحكمة الجنائية الدولية، بما يضمن تطبيق أحكام وقواعد القانون الجنائي الدولي من قبل القضاء السوري، كما ذكرنا أعلاه.

ومن جهة أخرى، يتوجب على منظمات المجتمع المدني، ولا سيما تلك العاملة في مجال حقوق الانسان والتوعية الحقوقية، العمل على تقديم الدعم القانوني والإرشاد لأهالي الضحايا لمساعدتهم في سلوك المسار القضائي، ومراقبة أداء الحكومة الانتقالية والضغط لضمان عدم افلات أي مجرم من العقاب، والعمل على التوعية بأهمية العدالة الانتقالية وربطها بمفهوم السلم الأهلي والمصالحة المجتمعية، والتنسيق مع المنظمات الدولية والآليات الأممية للمساعدة في ملاحقة المتورطين عبر الولاية القضائية العالمية، بالنسبة لمن تتعذر محاكمتهم داخلياً.

ختاماً، إن محاسبة الجناة وتحقيق العدالة ليس فقط مطلباً أخلاقياً وإنسانياً، بل هو شرط أساسي لبناء سوريا الجديدة على أسس من الإنصاف وسيادة القانون، ومن دون محاسبة فعلية لن تكون هناك مصالحة حقيقية، ولا استقرار دائم.