أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي بيئة خصبة لخطاب الكراهية الذي يعزز التمييز والتحريض ويوسع الشروخات بين مختلف أطياف البلد الواحد، مدفوعًا بخوارزميات يُعتقد أنّها تروّج للمحتوى الذي يثير العنف والانقسام المجتمعي.
وقد شهدت سوريا في الآونة الأخيرة، وخاصة بعد سقوط نظام الأسد، ارتفاعاً في حدّة خطاب الكراهية والخطاب الطائفي عبر مواقع التواصل الاجتماعي، حيث يستغل الكثيرون عدم وجود رقابة ومحاسبة حقيقية، وسهولة النشر والتفاعل للتأثير على الرأي العام ولبث المحتوى السام من وراء الشاشات عن طريق التحريض على العنف أو حتى الدعوات الصريحة للإبادة والقتل، وتعزيز الشرخ المجتمعي بين السوريين، والترويج للكراهية بين المكونات المختلفة مما يؤدي بطبيعة الحال إلى استمرار النزاع وإدامة الوضع الحالي.
وقد أسهم خطاب الكراهية الذي عمل على شيطنة الطرف الآخر وتبرير العنف ضدّه عبر مواقع التواصل الاجتماعي بلا شك في المجازر ودعوات الإبادة التي حصلت ضد بعض الفئات من السوريين، خصوصاً في ظل حالة عدم الاستقرار وانتشار السلاح العشوائي. فعلى سبيل المثال، اقترنت أحداث الساحل السوري بخطاب الإبادة أو الدعوة لقتل العلويين/ات من قبل ناشطين وساسة ومؤثرين بشكل واضح وعلني، بالإضافة إلى دعوات النفير العام والجهاد التي انتشرت عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وأثرت مفاعيل هذا التجييش في تحفيز العشرات للانخراط بشكل عشوائي في هذا النفير والذي نجم عنه أعمال إعدام وتنكيل واسعة خارج نطاق القضاء وعمليات نهب واستباحة صنفتها منظمة العفو الدولية بأنها جرائم حرب.
كما تسبّب انتشار تسجيل صوتي مفبرك عبر مواقع التواصل الاجتماعي منسوب لأحد مشايخ الدروز في سوريا، وتضمّن إساءات للنبي محمد، في إذكاء نار الفتنة الطائفية ضدّ الدروز الذي أدى لاحقاً الى اشتباكات مسلحة أسفرت عن مقتل وجرح العشرات.
وعلى عكس الوسائط التقليدية، يمكن إنشاء خطاب الكراهية عبر الإنترنت ومشاركته بسهولة وسرعة تفوق بأضعاف سرعة الانتشار في الواقع. وأيضاً لديه القدرة على الوصول إلى جمهور عالمي ومتنوع في الوقت ذاته. كما أن الدوام النسبي للمحتويات المحرضة على الكراهية على الإنترنت تمثل مشكلة أيضًا، حيث يمكن أن تعاود الظهور و (تعيد) اكتساب الشعبية بمرور الوقت. ومع سياسية وسائل التواصل الاجتماعي بترويج المحتوى المثير للجدل لجذب التفاعل والمشاهدات، يصبح الخطاب العدائي أكثر انتشاراً من الخطاب العقلاني.
خطاب الكراهية في العهود والمواثيق الدولية:
عرفت استراتيجية الأمم المتحدة وخطة عملها خطاب الكراهية على أنّه: (أيّ نوع من التواصل، الشفهي أو الكتابي أو السلوكي، الذي يهاجم أو يستخدم لغة ازدرائية أو تمييزية بالإشارة إلى شخص أو مجموعة على أساس الهوية، وبعبارة أخرى، على أساس الدين أو الانتماء الاثني أو الجنسية أو العرق أو اللون أو الأصل أو نوع الجنس أو أحد العوامل الأخرى المحددة للهوية.( وتحظر التشريعات الدولية الخطاب المحرض على الكراهية والتمييز والعنف، كالمادة العشرون من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والمادة 4 من اتفاقية القضاء على جميع اشكال التمييزالعنصري.
وتسلّط خطة عمل الرباط التي أقرّت من قبل المفوضية السامية لحقوق الانسان في 2012 الضوء على أهمية التمييز بين “حرية التعبير” وبين “التحريض على الكراهية”، وضرورة حظر “التعبير” الذي يشكل “تحريضاً” على التمييز أو العداوة او العنف.
تجريم خطاب الكراهية في القانون السوري:
في سوريا ولضرورة المحافظة على السلم الأهلي والعيش المشترك جرّم القانون رقم 20 لعام 2022 الناظم لمكافحة الجرائم الالكترونية في المادة 31 منه خطاب الكراهية والتحريض على العنف والاساءة إلى الأديان وفرض عليها عقوبة الحبس والغرامة حيث جاء فيها ما يلي:
“يعاقب بالحبس من سنة إلى ثلاث سنوات وغرامة من (3,000,000) ل.س ثلاثة ملايين ليرة سورية إلى (6,000,000) ل.س ستة ملايين ليرة سورية كل من أنشأ أو أدار موقعاً إلكترونياً أو صفحة إلكترونية أو نشر محتوى رقمياً على الشبكة بقصد الإساءة إلى أحد الأديان أو أحد المقدسات أو الشعائر الدينية أو الحض على الكراهية أو التحريض على العنف.”
كما أن قانون العقوبات السوري يجرّم أيضاً إثارة النعرات الطائفية أو الحض على النزاع بين الطوائف، عندما تقع عن غير طريق الشبكة (كإلقاء الخطب في المساجد، أو إلقاء المحاضرات على الطلبة في الجامعة، أو كتابة المقالات في الصحف، أو إلصاق منشورات في الشوارع ). ويفرض عليها عقوبة جنحوية وهي الحبس والغرامة والحرمان من الحقوق المدنية (المادة 307).
ومع أنّ المشرع السوري قد شدد العقوبة عندما يقع الفعل الجرمي عن طريق الشبكة الالكترونية، إلا إنه لم يتخل عن المصطلحات الفضفاضة حمالة الأوجه، ولم يتبنى تعريف واضح للكراهية ولم توضح التعليمات التنفيذية لقانون الجرائم المعلوماتية ما يقصد بها. مما قد يؤدي إلى تقييد حرية التعبير ويفسح المجال أمام الأنظمة الحاكمة لمعاقبة أي شخص لمجرد إبداء رأيه في أي نقاش ديني أو اجتماعي او سياسي تحت غطاء مكافحة الكراهية أو المساس بالوحدة الوطنية. كما أن السلطات قد تستخدمه كأداة قمع لإحكام سيطرتها على نظام الحكم عن طريق ضبط أي نقاش مجتمعي يمسّ شرعية حكمها وطريقة إدارتها للتنوع الديني والطائفي.
التمييز بين حرية التعبير وخطاب الكراهية:
إن حماية المجتمع من خطاب الكراهية مسؤولية قانونية وأخلاقية لكنها لا يمكن أن تمارس على حساب حرية التعبير وللتمييز بين التعبير عن الرأي المشروع وذاك المجرَّم، تقترح خطة عمل الرباط ستة معايير صارمة، تتلخص في السياق السياسي والاجتماعي السائد عند صدور الكلام، ووضع المتحدث أو حالته في المجتمع، وتقييم وجود النية من عدمها، وتحليل محتوى الخطاب والشكل والأسلوب وطبيعة الحجج المستخدمة في الكلام موضوع البحث، وتأثير الخطاب وطبيعته العامة ومدى انتشاره وحجم الجمهور المستهدف، وتحديد درجة الضرر الناجم عنه وأرجحية الضرر الوشيك الناجم عن الخطاب التحريضي.
خاتمة وتوصيات:
ختامًا، يتعين التأكيد على أن خطاب الكراهية لا يُعدّ مجرد تعبير لفظي أو محتوى عابر، بل يمثل أداة هدم حقيقية تُلحق الضرر بالمجتمع السوري، وتهدد فرص السلم الأهلي وتقوّض الجهود الرامية إلى إعادة بناء وطن منهك بالصراعات والانقسامات.
وفي هذا السياق، يُوصى بإطلاق حملات توعية مجتمعية تهدف إلى ترسيخ ثقافة العيش المشترك، ودعم التنوع الثقافي والديني والإثني في المجتمع السوري، ورفض كافة الخطابات التي تُشرعن العنف أو تُحرّض عليه.
كما إن الفاعلين على المنصات الرقمية، من مؤثرين وناشطين، مطالبين بالامتناع عن نشر أو ترويج أي محتوى ينطوي على تحريض أو كراهية أو استعداء ضد فئة أو مكوّن من مكوّنات المجتمع. وينبغي كذلك دعوة رجال الدين والخطباء إلى تبني خطاب جامع ومسؤول، يُعلي من شأن السلم الأهلي ويعزز من مبادئ التفاهم والتضامن الوطني، بعيدًا عن الدعوات المتشنجة أو الاصطفافات الحادة تحت مسميات مثل “النفير العام” أو “الفزعات الجماعية”.
ومن جهة أخرى، فإن من واجب السلطة الانتقالية، أن تعمل على بناء منظومة قانونية متوازنة تُجسّد احترام حرية التعبير وتُحصّنها، وفي الوقت ذاته تضع الضوابط اللازمة لمكافحة خطاب الكراهية، وذلك عبر وضع تعريف دقيق ومُحكم لخطاب الكراهية، يستند إلى معايير موضوعية ومصطلحات قانونية محددة لا تترك مجالًا واسعًا للتأويل، وضمان مساءلة مرتكبي هذه الأفعال، مع ضمان حقهم في محاكمة عادلة أمام قضاء مستقل ونزيه.
والأهم في الوقت الحالي إطلاق حوار وطني شامل، تشارك فيه كافة الأطياف السياسية والاجتماعية والثقافية دون إقصاء أو تمييز، ويكون منصة حقيقية لتبادل الرؤى ومناقشة القضايا المصيرية، بما يعزز من فرص المصالحة الوطنية ويوطد أسس السلام المجتمعي.