شهد قصر العدل في حلب، في 18 تشرين الثاني/نوفمبر، أول “جلسة علنية” لمحاكمة المتهمين بانتهاكات ما عرفت بـ”أحداث الساحل” التي وقعت مطلع مارس/آذار 2025. وترأس الجلسة القاضي “زكريا بكّار” بمشاركة المستشارين “حسين الشريف” و”أحمد مخلص المحمود”، في خطوة تعكس محاولة السلطات السورية الانتقالية فتح ملف معقد يواجه ضغوطاً سياسية واجتماعية، في وقت ما يزال فيه مسار العدالة الانتقالية في سوريا غير واضح.
رئيس اللجنة الوطنية المستقلة للتحقيق وتقصي الحقائق في أحداث الساحل السوري، القاضي “جمعة العنزي”، أكد عبر منشور له على منصة “إكس” أن هذه المحاكمات تمثل “لحظات فارقة” في تاريخ سوريا، وتعكس صورة سوريا التي ترسي أسس العدالة والشفافية، وتعزز الثقة بالنظام القضائي، وتشكل رادعاً لـ”المجرمين”، وبالوقت ذاته تراعي حقوق المتهمين وتشكل ضماناً للمحاكمات العادلة.
شمل القسم الأول من المحاكمة 7 موقوفين من فلول النظام بتهم “إثارة الفتنة الطائفية والسرقة، والاعتداء على قوى الأمن الداخلي وقوات الجيش العربي السوري” وعلق القاضي جلسات محاكمتهم إلى الثامن عشر من كانون الأول المقبل، فيما شمل القسم الثاني محاكمة 7 من العناصر المنفلتة من قوى الأمن العام التابعة لوزارة الداخلية المتهمين بجرائم سرقة وقتل، وتم تعليق جلسات محاكمتهم إلى الخامس والعشرين من الشهر نفسه.
ثغرات البنية القانونية: محاكمات بلا أدوات مناسبة:
بدأ القاضي الجلسة بالقول إن “المحكمة وطنية حيادية مستقلة”، وإن (القانون الواجب التطبيق هو قانون العقوبات العسكري رقم “61” لعام 1950، وقانون العقوبات السوري العام رقم “148” لعام 1949، وقانون أصول المحاكمات الجزائية رقم “112” لعام 1950).
ومع انطلاق جلسات المحاكمة، تبرز إشكالية جوهرية في التوصيف الجرمي والقانون المنطبق، بسبب قصور القانون الوطني، فالدولة السورية مُلزمة، بموجب الإعلان الدستوري، باللجوء إلى محاكمات تراعي القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي والقانون الدولي العرفي والقانون الجنائي الدولي. وأي لجوء إلى محاكمات لا تراعي هذه المعايير يشكّل مساساً بحقوق الضحايا في الوصول إلى العدالة وكشف الحقيقة، فضلًا عن احتمال تعارضها مع الالتزامات الدستورية للدولة.
ويعمل القضاء السوري اليوم ضمن منظومة قانونية غير مهيّأة للتعامل مع نمط الجرائم المرتكبة في الساحل السوري. فقانون العقوبات لعام 1949 لا يتضمّن مفاهيم مثل جرائم الحرب أو الجرائم ضدّ الإنسانية أو الإبادة الجماعية على سبيل المثال. كما أنه لا يتطرق إلى المسؤولية الجنائية الفردية للقادة عن أعمال مرؤوسيهم بحسب المادة “28” من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، وهذا الواقع يدفع النيابة العامة إلى محاولة تكييف هذه الوقائع ضمن نصوص قديمة وغير مناسبة.
وفي حين أثبتت لجنة التحقيق الأممية أنّ جزءاً كبيراً من الانتهاكات في الساحل اتّخذ طابعاً طائفياً، فإن الإطار القانوني الوطني لا يقدّم معالجة كافية لهذه الدوافع الهوياتية.
واستندت المحاكمة إلى التقرير النهائي للجنة الوطنية المستقلة للتحقيق التي أنشئت بقرار رئاسي، وبناء على “الشبهة المعقولة” حدّدت اللجنة 563 مشتبهاً بهم. ورغم كثافة البيانات، إلا أن اللجنة نفسها تشير إلى أن استنتاجاتها مبنية على الشبهة لا على الأدلة القاطعة، ما يجعل المحكمة مطالبة ببذل جهد إضافي في التحقق والمطابقة والتدقيق، خصوصاً عندما تتعلق الاتهامات بجرائم قتل جماعي أو عنف طائفي أو أعمال انتقامية.
معايير المحاكمات العادلة:
تشكّل المحاكمات العادلة الركيزة الأساسية لأي عملية مساءلة ذات مصداقية، خصوصاً في القضايا الحساسة المرتبطة بانتهاكات جماعية أو عنف ذي طابع طائفي/هويّاتي. ولذلك تستند المعايير الدولية إلى مجموعة من المبادئ التي تضمن استقلال القضاء وحياد الإجراءات وصون حقوق المتهمين. ويعرض دليل منظمة العفو الدولية لمعايير المحاكمات العادلة مجموعة من الضمانات التي يجب توافرها في أي محاكمة جنائية، ولا سيما تلك التي تتعلق بوقائع خطيرة أو واسعة النطاق. وفيما يلي أبرز هذه المبادئ:
استقلالية المحكمة وحيادها: ويقتضي هذا الحقّ من الدول إنشاء محاكم مستقلة ومحايدة، والحفاظ عليها كذلك، والنظام القضائي السوري يفتقر إلى هذا المبدأ، فالمحكمة الدستورية العليا، وهي الجهة المفترض بها مراقبة دستورية القوانين، تُعيّن من قبل الرئيس حصرياً، ما يحولها عملياً إلى أداة تنفيذية بغطاء قضائي. ويتفاقم هذا الإشكال باستمرار تطبيق قانون السلطة القضائية لعام 1961، الذي يبقي القضاء خاضعاً إدارياً ومالياً للسلطة التنفيذية، إذ يترأس رئيس الجمهورية مجلس القضاء الأعلى وينوب عنه وزير العدل، كما يترأس الأخير النيابة العامة، مما يعزز سيطرة السلطة التنفيذية على كامل السلطة القضائية ويضعف استقلالية القضاة وحصانتهم. إضافةً إلى ذلك، ظهر بعد سقوط النظام منصب مستحدث يُعرف باسم “رئيس العدلية/الشيخ”، لا سند له في أي قانون سوري نافذ، استُنسخ من تجربة “الشرعي/الشيخ” في شمال غرب سوريا خلال فترة سيطرة هيئة تحرير الشام وحكومة الإنقاذ، وفُرض على المحافظات السورية لاحقاً بقرار وزاري. ويمارس شاغلو هذا المنصب صلاحيات واسعة تتجاوز المحامي العام ورؤساء المحاكم، تشمل التحكم بالإجازات والتشكيلات القضائية والتنقلات، ومنح المزايا المعيشية، والمشاركة في مقابلات القضاة بما قد يصل إلى الضغط عليهم للقيام بدور المخبر. وقد تحول هذا المنصب إلى مرجعية عملية تتحكم بالسلطة القضائية، ما يجعل استقلال القضاة عملياً رهيناً بولاءات سياسية أو أيديولوجية، ويضع حقوق المتقاضين في المثول أمام قضاء مستقل ومحايد على المحك، بما يخالف المادة 43 من الإعلان الدستوري السوري والمعايير الدولية لاستقلال القضاء.
محكمة مشكلة بحكم القانون: يجب أن تكون المحكمة التي تنظر أية قضية مشكلة وفق القانون. ويجوز أن تكون المحكمة قد شكلت بموجب الدستور أو غيره من التشريعات التي أقرت من قبل سلطة مخولة صلاحية سن التشريعات.
العلانية والشفافية: تقتضي علانية المحاكمة إجراء جلسة شفوية للادعاء والمرافعة في حضور الجمهور، بما في ذلك وسائل الإعلام، وفقا لموضوع القضية.
افتراض البراءة: من المبادئ الأساسية للحق في المحاكمة العادلة افتراض براءة أي شخص يتهم بارتكاب فعل جنائي إلى أن تثبت إدانته بحكم مبرم طبقاً للقانون بعد محاكمة عادلة.
حظر تطبيق القوانين بأثر رجعي وعدم المحاكمة مرتين على نفس الجريمة: لا يجوز إقامة الدعوى القضائية على أي شخص بسبب عمل قام به أو امتنع عن القيام به ولم يكن ارتكابه أو عدم ارتكابه جريمة جنائية، بموجب القانون الوطني أو الدولي، في وقت الارتكاب أو الامتناع، وإذا كان من الممكن قانونا الخروج عن هذا المبدأ في حالات محددة يحددها المشرع، فإنه من المفترض أن يكون الاستثناء مجرداً ويستهدف جرائم معينة بذاتها وليس أشخاصاً أو متهمين معينين، وهذا ما لم يوفق فيه واضعو الإعلان الدستوري السوري بموجب نص المادة 49، حيث تم استثناء الجرائم التي ارتكبها النظام السابق فقط من مبدأ عدم رجعية القوانين.
الحقّ في الدفاع وتوكيل محام: لكل متهم بجريمة أن يتمتع أثناء النظر في قضيته، وعلى قدم المساواة التامة، بالضمانات الدنيا الآتية: أن يحاكم حضورياً وأن يدافع عن نفسه بشخصه أو بواسطة محامٍ من اختياره وأن يخطر بحقه في وجود من يدافع عنه، وأن تزوده المحكمة حكماً كلما كانت مصلحة العدالة تقتضي ذلك بمحامٍ يدافع عنه، دون تحميله أجراً على ذلك إذا كان لا يملك الوسائل الكافية لدفع هذا الأجر.
استدعاء ومناقشة الشهود وحمايتهم: لكل فرد يتهم بارتكاب فعل جنائي الحق في استدعاء شهود نفي، ومناقشة شهود الإثبات بنفسه أو من قبل غيره. ومن الواجب توفير الحماية اللازمة للشهود.
لكن المنظومة القانونية الوطنية السورية الحالية تفتقر إلى وجود إطار قانوني واضح وفعّال لحماية الشهود والضحايا، سواء من حيث النصوص أو من حيث الآليات التنفيذية.
خاتمة وتوصيات:
في المحصلة، تمثل هذه المحاكمات خطوة مهمة في مسار البحث عن العدالة في سوريا، لكنها تجري ضمن بيئة قانونية وبنيوية تعاني من غياب نصوص متخصصة لمعالجة الجرائم الدولية. ويصبح قياس جدّية المحاكمة ومصداقيتها رهناً بمدى اقترابها من الإطار الحقوقي المعترف به دولياً. في هذا السياق، تشكل مصادقة سوريا على نظام روما للمحكمة الجنائية الدولية خطوة محورية، إذ تجعل الجرائم المنصوص عليها فيه جزءاً من القانون السوري، وتمكّن المحاكم الوطنية من منح الانتهاكات التي تنظر فيها الوصف القانوني السليم. كما يتيح هذا النظام للسلطات القضائية محاسبة المسؤولين العسكريين والسياسيين عن الجرائم التي يرتكبها العناصر التابعون لهم، بما يرسخ مبدأ المسؤولية الفردية ويجعل مسؤولية القادة العسكريين مسؤولية مفترضة، وعلى من يدعي خلاف ذلك عليه اثبات العكس، ويحوّل العملية القضائية من إجراء شكلي إلى آلية فعّالة لتحقيق العدالة ومعالجة الانتهاكات، بالإضافة إلى ضرورة تحرير السلطة القضائية من هيمنة السلطة التنفيذية ومراعاة مبدأ الفصل بين السلطات، وذلك من خلال تعديل قانون السلطة القضائية بحيث لا يكون للسلطة التنفيذية أي دور أو تسلط على أعمال القضاء.
ومن الواجب ايضاً توفير منظومة قانونية وعملياتية لحماية أطراف الدعوى والشهود، بحيث لا يكون ثمة أي خوف لدى الشهود للإدلاء بشهاداتهم، بشكل يتيح محاسبة الجناة وفق نظام قضائي عادل ومستقل.