تعرّض عشرات الآلاف من السوريين، منذ اندلاع الحراك الشعبي عام 2011، لأنماط مختلفة من انتهاكات حقوق الإنسان، منها الاعتقال التعسفي والاختفاء القسري وغيرها من ضروب حجز الحرية بدون وجه حق.

وقد وقعت الغالبية العظمى من هذه الانتهاكات على أيدي أجهزة النظام السوري السابق وحلفائه والميليشيات الرديفة، التي احتجزت آلاف الأشخاص في مراكز توقيف وسجون رسمية وغير رسمية في مختلف أنحاء البلاد، فيما سُجلت حالات أخرى على أيدي جماعات مسلحة غير حكومية سيطرت على مناطق متعددة.

والنسبة الكبيرة من حالات الاعتقال والاختفاء القسري كانت بسبب ممارسة الضحايا لحقوقهم الأساسية المنصوص عليها في العهود والمواثيق الدولية، ولا سيما الحق في حرية الرأي والتعبير والتجمع السلمي، حيث جرى توقيف الكثير منهم واحتجازهم من دون قرار صادر عن سلطة قضائية مستقلة، ومن دون توجيه اتهامات واضحة، أو عرضهم على قضاء مختص، أو تمكينهم من الاتصال بمحامٍ أو بذويهم.

ورغم التحولات السياسية التي شهدتها البلاد وسقوط النظام السابق، وما رافق ذلك من تعهدات بإصلاح المنظومة القانونية وتعزيز احترام الحقوق والحريات، لا يزال قسم من السوريين يواجهون خطر الاختطاف والاختفاء القسري حتى الآن، وبحسب مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، سُجلت نحو 100 حالة اختطاف أو اختفاء في سوريا خلال عام 2025، مع استمرار ورود تقارير عن حالات اختفاء قسري جديدة. وأضاف المكتب أنه، رغم سقوط النظام السابق، لا يزال يتلقى تقارير مقلقة بشأن عشرات عمليات الاختطاف والاختفاء القسري.

ماهية الاختفاء القسري والاحتجاز التعسفي:

يُعرَّف الاختفاء القسري بأنه “الاعتقال أو الاحتجاز أو الاختطاف أو أي شكل من أشكال الحرمان من الحرية يتم على أيدي موظفي الدولة، أو أشخاص أو مجموعات من الأفراد يتصرفون بإذن أو دعم من الدولة أو بموافقتها، ويعقبه رفض الاعتراف بحرمان الشخص من حريته أو إخفاء مصير الشخص المختفي أو مكان وجوده، مما يحرمه من حماية القانون”.

وفي بعض السياقات، قد ترتكب هذا الفعل جماعات مسلحة غير تابعة للدولة، إلا أن القانون الدولي يعتبر الاختفاء القسري جريمة في جميع الأحوال، لما ينطوي عليه من انتهاك مركّب يشمل الحق في الحرية والأمان الشخصي، والحق في الاعتراف بالشخصية القانونية، فضلاً عن تعريض الضحايا لخطر التعذيب وسوء المعاملة. وتمثل حالات الاختفاء غير المحسومة، واستمرار الإفلات من العقاب، انتهاكاً جسيماً ومستمراً يستوجب المساءلة والعدالة للضحايا وعائلاتهم.

وبموجب ولاية الفريق العامل المعني بالاحتجاز التعسفي التابع للأمم المتحدة، يُعد الحرمان من الحرية تعسفياً إذا جرى دون أمر قضائي قانوني، أو دون تمكين المحتجز من الطعن في قانونية احتجازه أمام جهة قضائية مستقلة، أو إذا كان بسبب ممارسته حقوقاً مكفولة بموجب القانون الدولي، مثل حرية التعبير أو التجمع السلمي. كما يشمل ذلك الاحتجاز الإداري أو المطوّل دون مراجعة قضائية فعالة.

ويُعد الحرمان من الحرية مسألة وقائعية، أي أنه يتحقق متى لم يكن الشخص قادراً على مغادرة مكان احتجازه بإرادته الحرة، بغض النظر عن التوصيف الرسمي للاحتجاز.

الإطار القانوني الوطني والدولي:

ينظّم الإعلان الدستوري الصادر في 13 آذار/مارس 2025 منظومة الحقوق والحريات العامة ضمن باب مستقل، واضعاً مجموعة من الضمانات المتعلقة بحماية الحرية الشخصية وكرامة الإنسان والرقابة القضائية. فقد أكد التزام الدولة بصون حقوق الإنسان، واعتبر الحقوق الواردة في الاتفاقيات الدولية التي صادقت عليها سوريا جزءاً من بنيته الدستورية، وكفل الإعلان حرية الرأي والتعبير والإعلام، وصان حرمة الحياة الخاصة وحرية التنقل، وأكد مبدأ المساواة أمام القانون دون تمييز، وهي ضمانات كانت واردة أيضاً في دستور 2012.

أما على مستوى حماية الحرية الشخصية، فقد نصّ الإعلان على صون كرامة الإنسان وحرمة الجسد، ومنع الاختفاء القسري والتعذيب المادي والمعنوي، وعدم سقوط جرائم التعذيب بالتقادم. ويُعد إدراج مصطلح “الاختفاء القسري” إضافة لم تكن واردة بهذه الصراحة، لا في الدستور السابق ولا في بقية التشريعات السورية، كما أن عدم سريان التقادم في جرائم التعذيب تُعد تفصيلاً جديداً على المستوى الدستوري.

وإلى جانب النصوص الدستورية، يتضمن قانون العقوبات  رقم 148 لعام 1949 أحكاماً تجرّم الحرمان غير المشروع من الحرية، سواء ارتكبه أفراد عاديون أو موظفون عامون، كما شدّد المرسوم التشريعي رقم 20 لعام 2013 العقوبات على جرائم الخطف والاحتجاز.

أما على المستوى الدولي، أرسى العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، مبدأ حق كل فرد في الحياة والحرية والأمان على شخصه، وحظر توقيف أي إنسان أو اعتقاله تعسفاً، ولا يكون الحرمان من الحرية الا لأسباب ينص عليها القانون وطبقاً للإجراء المقرر فيه، كما يجب أن يُقدم الموقوف سريعا إلى المحكمة، ويكون من حقه ان يُحاكم خلال مهلة معقولة أو ان يُفرج عنه.

وتُعدّ الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري من أبرز الصكوك المتخصصة في هذا المجال، إذ تحظر بصورة مطلقة الاحتجاز السري أو غير الموثق، وتُلزم الدول بتسجيل جميع حالات الحرمان من الحرية في سجلات رسمية، وتحديد مكان الاحتجاز والجهة المسؤولة عنه. كما تعتبر أن إنكار وجود الشخص المحتجز أو إخفاء مصيره يرقى إلى جريمة اختفاء قسري، لما يترتب عليه من وضع الضحية خارج حماية القانون وتعريضه لانتهاكات جسيمة أخرى.

كما ان نظام روما للمحكمة الجنائية الدولية اعتبر أن الاختفاء القسري، وكذلك السجن أو الحرمان الشديد على أي نحو آخر من الحرية البدنية بما يخالف القواعد الأساسية للقانون الدولي، جريمة ضد الإنسانية إذا ما أرتكب الفعل في إطار هجوم واسع النطاق أو منهجي موجه ضد أي مجموعة من السكان المدنيين، وعن علم بالهجوم.

الاستحقاقات القانونية لضحايا الاحتجاز التعسفي والاختفاء القسري:

لا يقتصر حظر الاعتقال التعسفي على الإفراج عن الشخص المحتجز بغير وجه حق، بل يمتد ليشمل حقه الأصيل في التعويض وجبر الضرر. فقد نصّت المادة (9/5) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية صراحةً على أن «لكل شخص كان ضحية توقيف أو اعتقال غير قانوني حقٌ في الحصول على تعويض». ويُعدّ هذا النص تكريساً لالتزام الدول ليس فقط بإنهاء الانتهاك، بل بمعالجة آثاره القانونية والمادية والمعنوية. وفي هذا السياق، تؤكد المبادئ الأساسية بشأن الحق في الانتصاف أن جبر الضرر يشمل طيفاً واسعاً من التدابير، منها: التعويض المالي، ردّ الحقوق، إعادة التأهيل، وضمانات عدم التكرار. إن إغفال هذه الضمانات يُبقي الحماية من الاعتقال التعسفي ناقصة، إذ لا تتحقق العدالة كاملة إلا بمساءلة المنتهكين وجبر ضرر المتضررين وعائلاتهم التي عاشت أو تعيش حالة من القلق وعدم اليقين.

تحديات العدالة الانتقالية بعد سقوط النظام السابق:

على المستوى السياسي والاجتماعي، تُقوّض ممارسات الاحتجاز المستمرة مبدأ سيادة القانون وتضعف الثقة بالمؤسسات، مما ينعكس سلباً على أي مسار إصلاحي مستقبلي. ورغم أنه، عقب سقوط النظام وتولي الحكومة المؤقتة السلطة، أُنشئت هيئتان أساسيتان لمعالجة هذا الإرث؛ وهما «الهيئة الوطنية للمفقودين» و«الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية»، إلا أن أثر جهودهما ما يزال محدوداً حتى الآن. إن بطء الإجراءات، وغياب النتائج الملموسة في كشف مصير آلاف المختفين، مع استمرار ورود تقارير عن حالات احتجاز تعسفي واختفاء قسري جديدة، يطرح تساؤلات جدية حول فعالية هذه التدابير وقدرتها على إحداث تغيير حقيقي يتجاوز الهياكل النظرية إلى النتائج الفعلية، ومدى ثقة الضحايا وذويهم في اللجوء إلى المسارات التي أعلنت عنها الحكومة المؤقتة في المرحلة الحالية.

خاتمة وتوصيات:

إن حماية الحرية الشخصية ليست مجرد مبدأ نظري، بل هي الركيزة الأساسية للأمان المجتمعي والثقة بسيادة القانون. واستمرار ممارسات الاعتقال التعسفي والاختفاء القسري لا يلحق ضرراً جسيماً بالفرد وأسرته فحسب، بل ينسف أسس المحاكمة العادلة ويزعزع ثقة المواطن بمؤسسات الدولة الناشئة.

ورغم وجود نصوص دستورية وقانونية تجرّم الحرمان غير المشروع من الحرية، إلا أن العبرة تظل دائماً في التنفيذ العملي ووجود آليات فعّالة للمساءلة، فهما الضمانة الوحيدة لتحويل هذه النصوص إلى حماية حقيقية على أرض الواقع.

وبناءً على ما تقدم، نوصي باتخاذ الخطوات العاجلة التالية:

  1. انضمام سوريا إلى “الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري”، لضمان مواءمة التشريعات الوطنية مع المعايير الدولية.
  2. الانضمام إلى “نظام روما الأساسي” للمحكمة الجنائية الدولية؛ لتعزيز مبدأ المحاسبة على الجرائم الجسيمة وتوفير ضمانة قضائية دولية تمنع تكرار الانتهاكات.
  3. إخضاع جميع مراكز التوقيف للرقابة القضائية المباشرة والدورية، ومنع أي شكل من أشكال الاحتجاز غير الموثق أو السري.
  4. تفعيل حق المتهم في الوصول الفوري إلى محامٍ، وإقرار آليات واضحة وسريعة لتعويض ضحايا الاعتقال التعسفي وجبر ضررهم مادياً ومعنوياً.

وفي النهاية، إن احترام الحرية الشخصية وصونها من التغول السلطوي هو المعيار الحقيقي لمدى التزام الدولة بسيادة القانون، ولا يمكن تحقيق العدالة في سوريا دون حماية الإنسان من التعسف ومساءلة من ينتهك هذه الحماية.