خلال سنوات النزاع، استغل النظام السوري السابق[1] وكذلك قوى الأمر الواقع التي كانت تسيطر عسكرياً على مناطق مختلفة من الجغرافية السورية[2] غياب أصحاب العقارات نتيجة التهجير القسري أو الفقد أو اللجوء خارج البلاد. لوضع اليد على العديد من المساكن والأراضي واستغلالها دون سند قانوني، سواء عبر تحويل بعضها إلى مراكز أمنية أو مقار عسكرية، أو من خلال استثمار الأراضي الزراعية وجني عائداتها، مستفيدين في ذلك من عدم قدرة مالكيها على العودة بسبب المخاطر الأمنية وظروف الاعتقال التعسفي، وأعمال التعذيب والقتل خارج نطاق القضاء.

وبعد انتهاء الأعمال القتالية وسقوط النظام السابق، أصبح بإمكان مالكي العقارات التي جرى وضع اليد عليها بصورة غير مشروعة المطالبة باسترداد حقوقهم، سواء عبر دعوى استرداد الحيازة أو دعوى طرد الغاصب. كما يحق لهم المطالبة بالتعويض عن الضرر اللاحق بهم طوال فترة الإشغال، وما فاتهم من منفعة نتيجة حرمانهم من استعمال عقاراتهم واستثمارها. ويُعرف هذا النوع من المطالبات بـ دعوى أجر المثل.

يتناول القانون المدني السوري دعوى أجر المثل في مادتين: المادة 530 كتعويض للمؤجر على المستأجر عند عدم تسمية بدل الايجار والمادة 557 في حالة انتهاء العلاقة الايجارية وبقاء المستأجر شاغلاً للمأجور دون تجديد الاتفاق مع مالك العقار، كما تتناول المادة 164 من ذات القانون قواعد المسؤولية التقصيرية، ومسألة التعويض في حال حصول ضرر للغير ولا سيما الاشغال القسري للعقار.

وفي هذه الورقة، سيتم عرض لمحة مبسّطة عن دعوى أجر المثل وفق أحكام القانون المدني السوري، واجتهادات محكمة النقض.

دعوى أجر المثل هي دعوى تهدف إلى تمكين مالك العقار من المطالبة بتعويض مقابل إشغال الغير لعقاره من دون عقد أو سبب قانوني. ويُقدَّر هذا التعويض — أو ما يُعرف بـ أجر المثل — من قبل خبير فني، بالاعتماد على مقارنة العقار محل النزاع بعقارات مماثلة في المنطقة ذاتها، آخذًا في الاعتبار موقع العقار وطبيعته ومساحته وقيمته الرائجة، وطبيعة الأرض ومدى الاستفادة منها والعوامل المؤثّرة في استثمارها، بما في ذلك ما يمكن جنيه من العقارات المجاورة المشابهة له.

أطراف الدعوى وقواعد الاثبات والتقادم:

المدعي: هو مالك العقار الذي تم إشغاله دون مسوّغ قانوني، أو أحد الورثة الشركاء على الشيوع الذي يطالب بتعويض عن فترة إشغال الغير للعقار بدون سند أو بعد انتهاء العقد، ويجوز لأحد الورثة رفع الدعوى نيابة عن باقي الورثة طالما لم تُصفَّ التركة ولم تُنقل الملكية رسميًا[3].

المدعى عليه: هو واضع اليد على العقار، سواء كان مستأجرًا استمر بالإشغال بعد انتهاء مدة الإجارة، أو غاصبًا، أو شخصًا طبيعيًا أو اعتباريًا كإدارة أو شركة، أو حتى أحد الشركاء على الشيوع الذي يستأثر بالانتفاع بالعقار.

وتختص محكمة الصلح المدني وفقاً لاختصاصها النوعي الشامل بدعوى أجر مثل العقار والمنقول [4]. وقد استقر الاجتهاد القضائي على أن أجر المثل من الحقوق الشخصية المتعلقة بعقار، لذلك يمكن إقامتها أمام محكمة الصلح التابع لها موقع العقار أو أمام محكمة الصلح التابع لها موطن المدعى عليه.[5] ويجوز الاثبات في الدعوى بكافة وسائل الاثبات بما فيها البينة الشخصية (شهادة الشهود)، ولا تستلزم وضع إشارة الدعوى على صحيفة العقار.

ويمكن للمالك المطالبة بتعويض عن 15 سنة من الاشغال سابقة لتاريخ الادعاء، حيث أن دعوى أجر المثل تسقط بالتقادم الطويل[6] .

حالات استحقاق أجر المثل:

أولاًــ أجر المثل في حال عدم وجود علاقة إيجارية:

يُعد وضع اليد على عقار المدعي أو على أي جزء منه دون مسوّغ قانوني عملاً غير مشروع يشكّل اعتداءً على حق الملكية، ويُرتّب مسؤولية تقصيرية وفق أحكام القانون المدني[7].

وتتحقق هذه الحالة كلما قام شخص طبيعي أو اعتباري، أو جهة عامة أو خاصة، أو أي جهة أخرى، بالانتفاع بالعقار أو إشغاله دون سند، سواء كان ذلك بطريق الغصب، أو بوضع اليد غير المشروع، أو بالاستئثار بالعقار دون حق، أو بأي صورة من صور الإشغال غير المستند إلى سبب قانوني.

ويدخل ضمن ذلك — على سبيل المثال لا الحصر — حالات اغتصاب العقار من قبل أفراد أو جهات مسلّحة أو جهات حكومية، أو إشغاله من قبل الغير دون أي حق، أو استئثار أحد الشركاء على الشيوع بالانتفاع بالعقار المشترك دون تمكين بقية الشركاء من استعمال حصصهم.

وفي جميع هذه الصور، يحق للمالك أو الشريك أو صاحب الحق المطالبة بأجر المثل لقاء حرمانه من الانتفاع بعقاره خلال فترة الإشغال غير المشروع، أياً كانت صفة واضع اليد أو نوع الجهة التي قامت بالإشغال.

ثانياًــ وجود علاقة إيجارية دون تحديد الأجرة:

يجوز للمتعاقدين إبرام عقد إيجار من غير الاتفاق صراحة على مقدار الأجرة، ويُعد العقد في هذه الحالة عقداً صحيحاً ومنتجاً لآثاره القانونية. وتُقدَّر الأجرة عندئذٍ وفق أجر المثل[8]، التي يتولى القاضي تحديده بالاستعانة بأهل الخبرة.

ويُعدّ أجر المثل الذي تخلص إليه المحكمة أجراً مُسمّىً يلزم به الطرفان، ولا يجوز تعديله إلا باتفاقهما أو بحكم قضائي يصدر وفقاً للأصول.

خاتمة:

كون حق الملكية في القانون السوري هو حق مقدس ويتمتع بحصانة قانونية تمنع أي اعتداء عليه، ولا يجوز نزع ملكية صاحبه إلا لقاء تعويض عادل، فإن دعوى أجر المثل تعدّ السبيل القانوني السليم الذي يلجأ إليه المالك المعتدى على حقه للمطالبة بالتعويض عمّا فاته من كسب ولحقه من ضرر، وذلك نتيجة وضع الغير يده على العقار دون مسوّغ أو سند قانوني.

[1] https://stj-sy.org/ar/%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7-%D9%85%D8%B2%D8%A7%D8%AF%D8%A7%D8%AA-%D8%AD%D9%83%D9%88%D9%85%D9%8A%D8%A9-%D8%BA%D9%8A%D8%B1-%D9%82%D8%A7%D9%86%D9%88%D9%86%D9%8A%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%AD%D9%85%D8%A7/

[2] https://stj-sy.org/ar/%d8%b3%d9%88%d8%b1%d9%8a%d8%a7-%d8%a3%d9%86%d9%85%d8%a7%d8%b7-%d9%85%d9%86-%d8%b9%d9%85%d9%84%d9%8a%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%b3%d8%aa%d9%8a%d9%84%d8%a7%d8%a1-%d8%b9%d9%84%d9%89-%d8%a7%d9%84/

[3] نقض اساس 540 قرار 172 لعام 1978

[4]المادة 64 من قانون أصول المحاكمات المدنية السوري

[5]
((إن دعوى اجر المثل هي دعوى شخصية عقارية يمكن إقامتها أمام محكمة موقع العقار أو أمام محكمة موطن المدعى عليه)) نقض مدني قرار: 105 / 1990أساس: 268 / 1990مجلة المحامون 1990

[6] – اجر المثل متوجب عن المدة التي تم وضع اليد فيها ولا تسقط بالتقادم الا بانقضاء اكثر من خمسة عشر عاما على تاريخ وضع اليد قرار 924 / 2002 – أساس 169 – محكمة النقض – الدوائر المدنية – سورية

قاعدة 252 – م. المحامون 2003 – اصدار 09 و 10 – رقم مرجعية حمورابي: 50150

.

[7] قرار 924 / 2002 – أساس 169 – محكمة النقض – الدوائر المدنية – سورية

 قاعدة 252 – م. المحامون 2003 – اصدار 09 و10.

[8] المادة 530 من القانون المدني السوري.