تعتبر الأجرة جوهر العلاقة الإيجارية وأكثر نقاطها جدلاً، ونظراً لتبدل الأحوال الاقتصادية، ولأن بعض العقارات المؤجرة لا تخضع لقاعدة “العقد شريعة المتعاقدين”، لذلك أجاز المشرع السوري لكل من المؤجر والمستأجر إعادة النظر في بدل الإيجار عبر ما يسمى “دعوى التخمين”، وغالباً ما يكون المؤجر هو المدعي وطالب التخمين، كونه يشعر بالغبن من بدل الايجار الذي يدفعه المستأجر، خاصة وان المأجور يخضع لأحكام التمديد الحكمي، وفق ما سنراه لاحقاً.

ماهي دعوى التخمين وماهي العقارات الخاضعة للتخمين؟

دعوى التخمين هي وسيلة قضائية تهدف إلى إيجاد توازن عادل بين “المنفعة” التي يحصل عليها المستأجر و”الأجر” الذي يتقاضاه المالك، قد يرفعها المؤجر لزيادة الأجرة بما يتناسب مع ارتفاع قيم العقارات، وقد يرفعها المستأجر لتخفيض الأجرة إذا كانت تفوق القيمة الرائجة للعقار، وذلك منعاً للغبن والاستغلال.

وتشمل هذه الدعوى فقط العقارات الخاضعة للتمديد الحكمي (تجديد تلقائي)، ويقصد بالتمديد الحكمي أنّ المؤجر ليس بإمكانه إخلاء المستأجر من العقار المأجور، طالما ان الأخير ملتزم بدفع الأجرة، وذلك لأن العلاقات الإيجارية في سوريا خضعت لنظام قانوني استثنائي يقوم على مبدأ التمديد الحكمي، حيث قيّد المرسوم التشريعي رقم 111 لعام 1952 حرية التعاقد بين المؤجر والمستأجر، وجعل من عقد الإيجار عقدًا ممتدًا حكمًا، بغض النظر عن إرادة المؤجّر.

وفي عام 2001 (صدر قانون إيجار جديد تم تعديله لاحقاً بمجموعة من القوانين آخرها القانون رقم 20 لعام 2015) أتاح إبرام عقود إيجار تقوم على مبدأ الاتفاق الحر بين المالك والمستأجر (العقد شريعة المتعاقدين) بحيث تُحدد قيمة الإيجار وشروطه باتفاق الطرفين،[1] والنقطة الأهم ان عقد الايجار ينتهي بانتهاء مدته ما لم يتفق الطرفان على تجديده. إلا أنّ هذا القانون لم يشمل العقود القديمة المبرمة قبل صدوره، فبقيت خاضعة للقانون القديم.

  وبالتالي فإن العقارات المؤجرة في ظل أحكام ونفاذ القانون رقم (111) لعام 1952، سواء كانت معدة للسكن أم لغير السكن، بقيت خاضعة لأحكام التمديد الحكمي، وهنا يتدخل القضاء عبر “التخمين” لتعديل الأجرة دورياً بما يواكب الواقع الاقتصادي، أما في العقود التي تخضع لإرادة المتعاقدين (العقود محددة المدة) فلا يمكن رفع دعوى التخمين كون المالك يمكنه رفع الأجرة فور انتهاء العقد، وله الحق أيضاً برفض تجديد العقد وبالتالي اخلاء المأجور.

 وتختص محكمة الصلح المدني[2] التابع لها العقار المأجور ادارياً بالنظر والبت في قضايا تخمين المأجور، وإن قرار محكمة الصلح الذي يصدر بهذا الخصوص يكون قابلاً للطعن بالنقض.[3] وترفع الدعوى من قبل المؤجر أو المستأجر أو الشريك على الشيوع أو من يملك حق الإدارة.[4]

ودعوى التخمين تقوم على ركنين أساسيين:

  • النسبة القانونية التي حددها المشرع وفقاً لطبيعة استعمال العقار: نصت الفقرة /د/ من المادة الأولى من القانون رقم /20/ لعام 2015 على أن «تحدد أجور العقارات المعيّنة بالفقرة /ج/ من هذه المادة وفقاً للنسب الآتية من قيمة العقار المأجور بتاريخ رفع الدعوى وذلك عن سنة ميلادية: 5 %من قيمة العقارات المؤجرة للسكن مضافا إليها 20 بالمئة من قيمة الأثاث الداخل في عقد الإيجار. 6 %من قيمة العقارات المؤجرة لمزاولة مهنة حرة أو علمية منظمة قانونا. 7 % من قيمة العقارات المؤجرة للدوائر الرسمية لاستعمالها محاكم أو المؤجرة للاستثمار التجاري أو الصناعي أو لمهنة حرفية أو المؤجرة للأحزاب السياسية أو الجهات العامة أو الوحدات الإدارية أو المنظمات الشعبية أو النقابات على مختلف مستوياتها أو الجمعيات. 8 % من قيمة العقارات المأجورة لاستعمالها مدارس.

قيمة المأجور: لابد من أجل تقدير قيمة المأجور من الكشف والمعاينة على العقار المأجور. حيث تقوم المحكمة بحضور الخبير/الخبراء بالكشف على المأجور وتحديد مواصفاته ومشتملاته ومن ثم يحدد القاضي قيمة المأجور استناداً إلى تقرير الخبير أو الخبراء المختصين، ويدخل في الاعتبارات المؤثرة في التخمين وتقدير القيمة الشرائية للمأجور موقع العقار ومساحته وطراز بنائه والمواد المبني بها.

وتحدد القيمة بتاريخ الادعاء، وبالتالي فإن الحكم الصادر بتعديل الأجرة في دعوى التخمين ينفذ بتعديل الأجرة من تاريخ رفع الدعوى، مع التنويه أن رفع الدعوى لا يعفي المستأجر من الاستمرار في دفع الأجرة المستحقة عليه إلى أن يحكم بتعديلها، وبعد صدور الحكم واكتسابه الدرجة القطعية تسري الأجرة المعدلة، وتصفى الحقوق على أساسها ابتداء من تاريخ رفع الدعوى بالتعديل.[5]

تسري الأجرة الجديدة المحددة في قرار التخمين بدءاً من تاريخ الادعاء، ولكن إذا شطبت الدعوى وجددت، فإن الأجرة الجديدة تسري من تاريخ التجديد. وقضى الاجتهاد القضائي أنه في العقارات المشتركة يسري الحكم الصادر في مواجهة بعض الشركاء المؤجرين أو المستأجرين الذين يملكون أغلبية الحصص على الباقين [6]، ما لم يثبت أن الحكم مبني على غش أو حيلة. وإن عدم ملكية غالبية السهام في العقار يمنع تخمين كامل العقار[7]. وإن بقاء المأجور مسجلاً باسم مورث المدعيين في السجل العقاري يستدعي إبراز حصر إرث يبين مقدار حصصهم الإرثية لمعرفة مقدار نصيب كل منهم في المأجور، وبالتالي معرفة ما إذا كان المدعي/ين يملك /ون غالبية الأسهم أم لا.

شروط دعوى التخمين:

لا تسمع دعوى التخمين إلا إذا تحققت الشروط الآتية:

  1. وجود علاقة إيجارية بين الطرفين: إذ لا يجوز للمحكمة أن تحكم بالدعوى التخمينية قبل التحقق من هذه العلاقة بالطرق المقبولة قانوناً. [8]
  2. أن يكون البدل محدداً: وهو لقاء انتفاع المستأجر بالمأجور الذي يشغله. [9]
  3. انقضاء ثلاث سنوات على التعاقد أو التخمين السابق في حال وجوده[10] : وتبدأ المدة من تاريخ الادعاء السابق، وليس من تاريخ الحكم وإن عدم جواز زيادة الأجرة قبل انقضاء ثلاث سنوات هو شرط قانوني، ويؤدي إلى إسقاط حق المدعي بالادعاء بالغبن خلال المـدة المحددة فيه، وهي ثلاث سـنوات، وهي المدة القانونية لكل دورة تخمينية.

خاتمة:

يمكن رفع دعوى التخمين وزيادة الايجار للعقارات الخاضعة للتمديد الحكمي كل ثلاث سنوات، وتكون الزيادة بشكل نسبي وفق النسب المحددة في القانون، ولكن تلك النسب لاتزال بعيدة عن السوق الرائج لإيجارات العقارات وفيها غبن لمالك العقار.

لذلك، لم يعد تطوير قانون الإيجار مجرد ترف تشريعي، بل ضرورة اجتماعية ملحة، والعدالة الحقيقية لا تتحقق إلا بتبني مقاربة تضمن انصاف الطرفين؛ بحيث يتم تحديث معايير التخمين لتواكب التطورات الاقتصادية، مع إيجاد حلول انتقالية للعقود الخاضعة للتمديد الحكمي تُخرجها من “جمود الماضي” وتدفعها برفق نحو “حرية التعاقد”. إن الوصول إلى توازن حقيقي بين حماية المستأجر من التشرد وحماية المالك من الاستنزاف هو السبيل الوحيد لضمان السلم الأهلي والاستقرار القانوني في المجتمع السوري.

[1] المادة 1 الفقرة أ من  القانون رقم 20 لعام 2015.

[2] المادة 64 من قانون أصول المحاكمات المدنية السوري.

[3] المادة 251 من قانون أصول المحاكمات المدنية.

[4] المادة رقم 5 من القانون رقم 20 لعام 2015.

[5] المادة 6 الفقرة أ من القانون رقم 20 لعام 2015.

[6] قرار 2199 / 2006 – أساس 2550 – محكمة النقض – الدوائر المدنية – سورية.  قاعدة 483 – م. المحامون 2009 – اصدار 07 و 08 .

لمالكي أغلبية السهام أن يطلبوا من المحكمة تخمين العقار. وينسحب الحكم الصادر على مالكي أقلية السهام

[7] قرار 465 / 2004 – أساس 607 – محكمة النقض – الدوائر المدنية – سورية. قاعدة 317 – م. المحامون 2004 – اصدار 11 و 12 –

عدم ملكية غالبية السهام في العقار يمنع تخمين كامل العقار.

[8] قرار 2351 / 2006 – أساس 2699 – محكمة النقض – الدوائر المدنية – سورية. قاعدة 504 – م. المحامون 2009 – اصدار 07 و 08 – من شروط سماع دعوى التخمين وجود رابطة إيجار بين الطرفين وعلى المحكمة أن تستوثق من وجودها بالطرق المقبولة قانونا قبل إجراء الخبرة.

[9] قرار 365 / 1989 – أساس 1562 – محاكم الاستئاف – سورية.  قاعدة 282 – م. المحامون 1989 – اصدار 10 – 12 –

التخمين انما هو تحديد قانوني للأجور يتم بواسطة المحكمة بهدف ايجاد التوازن بين المنفعة والاجرة ومنع الاستغلال وبالتالي فانه لا يمكن السير بدعوى التخمين ما لم تعرف الاجرة المحددة اتفاقا أو قضاء للمأجور والتي تقوم دعوى التخمين على اساسه فاذا كانت هذه الاجرة غير محددة أو أنها لا تزال موضع نزاع فانه لا بد من وقف النظر في الدعوى واعتبارها مسألة مستأخرة لحين البت بمقدار الاجرة بحكم مكتسب الدرجة القطعية حتى تتمكن المحكمة من استثبات الدعوى ومعرفة الطرف المغبون فيها.

[10] المادة 6 الفقرة ب من القانون رقم 20 لعام 2015