تشهد الدعاوى الرامية إلى تثبيت بيع العقار خصوصية ناتجة عن الظروف الاستثنائية التي مرّت بها البلاد خلال سنوات النزاع الماضية، والتي منعت شريحة واسعة من الناس من توثيق تصرفاتهم العقارية وفق الأصول القانونية أمام الدوائر الرسمية والمحاكم المختصة. فقد حالت المخاوف الأمنية دون مراجعة كثيرين للدوائر الحكومية، ولا سيما من كانوا مطلوبين للسلطات السابقة أو مهدّدين بالملاحقة، فاضطروا إلى إبرام عقود بيع خطّية عادية دون تسجيلها في السجل العقاري أو استصدار أحكام قضائية تثبت هذه البيوع.

إلى جانب ذلك، خرجت مساحات واسعة من الأراضي عن سيطرة الحكومة السورية السابقة في فترات مختلفة، ما أدى إلى غياب محاكم فاعلة يمكنها إصدار أحكام بتثبيت البيع، كما أن كثيراً من السوريين نزحوا داخلياً أو هاجروا إلى خارج البلاد، الأمر الذي جعل مراجعة الدوائر العقارية أو المحاكم أمراً متعذّراً أو شديد الصعوبة. ونتيجة لذلك، بقيت آلاف العقود المتداولة بين الناس مجرّد أوراق عرفية غير مسجلة، ما يعرّض أصحابها لمخاطر إنكار البيع أو التصرف المزدوج بالعقار أو ضياع الحقوق عند الوفاة أو النزاع بين الورثة.

وفي السنوات الأخيرة تنامت ظاهرة نقل الملكيات العقارية في سوريا عبر القضاء (دعاوى تثبيت البيع) كبديل للمُعاملات المباشرة في الدوائر العقارية والمالية. ويُعزى هذا التوجه إلى السعي لتجاوز اشتراطات إدارية مستحدثة، مثل ضرورة الحصول على الموافقة الأمنية أو الالتزام بالتحويلات البنكية، بالإضافة إلى استخدامها كحلٍّ قانوني للعقارات التي تعاني من إشكالات فنية كعدم الإفراز أو عدم تصحيح الأوصاف.

الملكية بموجب حكم محكمة تعني الملكية المثبتة بموجب حكم قضائي صادر عن المحكمة المختصة والذي يقضي في فقراته الحكمية بتسجيل البيع ونقل الملكية لاسم المشتري وهو قابل للتنفيذ بالسجل العقاري الدائم أو المؤقت، الملكيّة بواسطة حكم قضائي تأتي في الدرجة الثانية بعد الملكيّة في القيود الرسميّة كالسجل العقاري أو المؤقت أو سجلات وزارة الاسكان.

وعندما يتفق شخصان على بيع عقار، غالباً يتم ذلك شفهياً بعد المعاينة، ثم يُدفع ما يُعرف بـ”العربون/سلفة” ويُبرم عقد[1] بيع بين الطرفين، هذا العقد هو الدليل الكتابي الذي يثبت الاتفاق، ولا يحتاجه الطرفان فعلياً إلا إذا ظهر خلاف أو احتاج أحدهما لقرار قضائي يثبت عملية البيع.

وعندما يرفض أحد طرفي العقد تنفيذ كامل الالتزامات المترتبة عليه بموجب العقد يحقّ للطرف صاحب المصلحة في تنفيذ العقد اللجوء الى القضاء لإلزام الطرف الآخر بتنفيذ التزاماته وإتمام عملية البيع، ونكون في هذه الحالة أمام دعوى خصومة.

 وقد يتفق الطرفان على رفع دعوى تثبيت البيع بهدف الحصول على حكم قضائي مبرم ويكون المدعى عليه (البائع) جاهز للإقرار بصحة الدعوى وجميع ما جاء فيها، وهنا يقتصر دور المحكمة على إصدار حكم يتضمن تثبيت طلبات المدعي (الشاري) وفق إقرار المدعى عليه (البائع)، فيصدر حكم قضائي يثبت البيع دون نزاع وهذا ما يسمى بالدعوى الإقرارية.

الحالات التي يتم فيها اللجوء إلى الشراء بموجب حكم المحكمة:

أولاًـ في حال كان العقار غير مفرز:

و هي من الحالات الشائعة و خاصة في الأرياف، يكون فيها وصف العقار في القيد العقاري قطعة أرض معدّة للبناء مثلاً بينما هو يكون في الواقع قد أصبح بناء من عدّة طوابق و شقق، و صاحب العقار لم يقم بمعاملة إفراز للعقار و تصحيح أوصافه بالسجل العقاري، فهنا إذا ما أراد أحدهم أن يشتري شقة من الشقق فلا يستطيع الشراء عبر معاملة فراغ بالطريقة المعتادة في السجل العقاري (إلا إذا كانت حصة سهمية)، لذلك يتمّ اللجوء إلى رفع دعوى تثبيت بيع من المشتري على مالك العقار ويتم تثبيت نقل الملكيّة بهذه الطريقة وفي الغالب تكون هذه الدعوى إقراريه أي يوكّل كل من الطرفين محامٍ ويتم الإقرار بالبيع وتسير الإجراءات بشكل أسرع.

ثانياً ـ عندما تكون ملكيّة العقار حكم محكمة:

 وفي هذه الحالة يكون العقار مُشترى بحكم قضائي من المالك لسبب ما ويأتي شخص آخر يريد شراء هذا العقار، فهنا يكون البيع بحكم قضائي جديد على أساس الحكم الأول اي حكم قضائي متسلسل من مالك قديم لمالك جديد.

ثالثاً – عند حدوث خصومة:

أي عند النزاع والخلاف بين البائع والمشتري، ففي بعض الأحيان يتم إجراء عقد بيع ثمَّ يتراجع أحد الطرفين (البائع أو المشتري) عن تنفيذ الالتزامات المترتبة عليه بموجب عقد البيع، كأن يرفض البائع تسليم المبيع أو إتمام عملية التسجيل أو ان يرفض المشتري سداد كامل المبلغ المتفق عليه، هنا يحق للطرف المتضرر في اللجوء إلى القضاء بهدف تثبيت عملية البيع وإلزام الطرف الآخر بتنفيذ الالتزامات المترتبة عليه. وفي حال ثبوت صحة دعوى المدعي تصدر المحكمة حكمها بتثبيت عقد البيع وإلزام الطرف المتخلف بتنفيذ الالتزامات الواجبة عليه بموجب العقد، ولدى اكتساب الحكم الدرجة القطعية يتم وضع الحكم القضائي لدى دائرة التنفيذ التي يتبع لها العقار موضوع الحكم القضائي، بهدف تنفيذ الحكم جبراً، علماً بأن هذه الدعوى تتطلب وقت وتبليغ للأطراف وإجراءات طويلة نوعاً ما.

  إجراءات دعوى تثبيت البيع:

دعوى تثبيت البيع هي دعوى عينية عقارية لذلك لا بدَّ فيها من وضع إشارة الدعوى على صحيفة العقار[2]  ترفع أمام محكمة البداية المدنية[3] التابع لها موقع العقار،[4] ولا يمكن إقامتها إلا بواسطة محامٍ أستاذ.[5]

البيع عبر قرار “حكم محكمة” يمرّ بإجراءات تقاضٍ منها: التبليغ والإقرار بالبيع وإسقاط حق الطعن ودفع ضريبة البيوع العقارية، ووضع اشارة الدعوى على صحيفة العقار في السجل العقاري، واجراء الكشف والخبرة على العقار وذلك لمطابقة واقع العقار مع القيد العقاري، ومن ثمّ صدور القرار بتثبيت عملية البيع بين البائع والمشتري. والذي يصبح قابلا للتنفيذ في السجل العقاري بعد استخراج القرار ودفع الرسوم المطلوبة وفتح ملف تنفيذي للحصول على إحالة من دائرة التنفيذ الى السجل العقاري لتسجيل اسم المشتري في الصحيفة العقارية.

الأوراق المطلوبة في دعوى تثبيت بيع عقار:

ــ إخراج قيد عقاري حديث يُثبت ملكية البائع للعقار؛ وفي حال كان المبيع حصة إرثيه، فلا مانع قانوناً من بقاء العقار مسجلاً باسم المُورّث في السجل العقاري ما لم تُجرَ معاملة الانتقال بعد، شريطة إرفاق وثيقة حصر الإرث بالملف. ذلك أن الوريث يكتسب صفة المالك وبقوة القانون بمجرد الوفاة، ويُعد الإرث سبباً قانونياً كافياً لاكتساب الحق في التسجيل العقاري[6].

ـ إذا لم يكن البائع مالك قيداً، وإنما بموجب حكم محكمة فيجب الحصول على صور مصدقة عن قرارات تثبيت البيع السابقة لجميع المالكين السابقين وصولاً إلى المالك قيداً وهذا ما يسمى بتسلسل الملكية.

ـ عقد البيع، ومن الأفضل إرفاق العقد في ملف الدعوى حتى وإن كانت الدعوى إقرارية، لأن العقد غالباً ما يتضمن تفاصيل كثيرة قد لا ترد في الحكم القضائي، لذلك غالبا ما يصدر الحكم باعتبار عقد البيع المرفق في الملف جزء لا يتجزأ من القرار.

ـ استدعاء الدعوى.

ـ وكالة المحامي.

ـ كتاب من المالية يفيد بدفع ضريبة القيمة الرائجة.

ـ كتاب يفيد بوضع إشارة الدعوى على صحيفة العقار.

ـ رسوم وطوابع.

خاتمة:

يعدّ تثبيت البيع عن طريق حكم المحكمة وسيلة يضمن بها المشتري حقه في ملكية العقار الذي اشتراه ودفع ثمنه، ولكن لابد من الحذر من إشارات الدعاوى السابقة على القيد العقاري فلا يجب الشراء قبل ترقين تلك الإشارات. فعلى الرغم من أنها لا تمنع من سماع دعوى تثبيت البيع أو نقل الملكية إلا أن الإشارة تبقى مرافقة للعقار ولا تزول أبداً بنقل الملكية، وفي حال حصل صاحب الإشارة الأسبق على حكم بتثبيت البيع تفسخ ملكية الشاري وتنتقل مباشرة لصاحب إشارة الدعوى. كما يفضل الاستعانة بمحام منذ المراحل الأولى لشراء أي عقار.

عقد البيع عقد يلتزم به البائع ان ينقل للمشتري ملكية شيء او حقا ماليا اخر في مقابل ثمن و بموجبه يلتزم البائع ان يقوم بما هو ضروري لنقل الحق المبيع الى المشتري و ان يكف عن اي عمل من شانه ان يجعل نقل الحق مستحيلا او عسيرا المادة /396/ من القانون المدني السوري [1]

[2] المادة /9/ من القرار رقم /188/ لعام 1926 ، قد أوجبت في الدعاوى العينية العقارية وضع إشارة الدعوى على صحيفة العقار المتنازع عليه

[3] المادة 78 من قانون أصول المحاكمات المدنية السوري

[4] المادة 83 من قانون أصول المحاكمات المدنية السوري

[5] المادة 105 من قانون أصول المحاكمات المدنية السوري

[6] وفقاً للمادة 826 من القانون المدني السوري.