خلال السنوات الأخيرة أبرمت العديد من “العقود العرفية” في سوريا التي حالت ظروف النزاع في سوريا من توثيقها في المحكمة، إذ حالت المخاوف الأمنية دون مراجعة كثيرين للدوائر الحكومية، ولا سيما من كانوا مطلوبين للسلطات السابقة أو مهدّدين بالملاحقة، إلى جانب ذلك، خرجت مساحات واسعة من الأراضي عن سيطرة الحكومة السورية السابقة في فترات مختلفة، ما أدى إلى غياب محاكم فاعلة يمكنها اصدر أحكام قضائية، كما أن كثيراً من السوريين نزحوا داخلياً أو هاجروا إلى خارج البلاد، الأمر الذي جعل مراجعة المحاكم أمراً متعذّراً أو شديد الصعوبة.
ونتيجة لذلك، بقيت آلاف العقود المتداولة بين الناس مجرّد أوراق عرفية غير مثبتة بأحكام قضائية، ما يعرّض أصحابها لمخاطر انكار التوقيع أو البصمة وبالتالي احتمالية ضياع الحقوق عند وفاة أحد الأطراف أو سفره أو فقده أو إنكار الورثة.
يعدّ التوقيع (البصمة) وسيلة لإثبات الرضا ونسبة التصرف الى صاحبه، وله حجية في إثبات العقود العرفية، ولكن قد يخشى أحد أطراف العقد من أن ينكر الطرف الآخر أو ورثته توقيعه أو بصمته على العقد مستقبلاً، لذلك قد أجاز المشرع السوري له رفع دعوى وقائية تسمى دعوى صحة البصمة أو التوقيع.
ويمكن تعريف دعوى صحة التوقيع بأنها: دعوى قضائية تحفظية، يرفعها أحد أطراف العقد أمام المحكمة المختصة بهدف إثبات صحة توقيع الطرف الآخر، أو بصمته على عقد أو مستند معين، والهدف من هذه الدعوى التأكد فقط من صحة التوقيع لتجنب إنكاره مستقبلاً سواء من الطرف الآخر أو من ورثته أو الطعن عليه بالتزوير، دون التطرق إلى موضوع العقد ذاته من حيث الصحة أو البطلان.
على سبيل المثال عندما ينظر القاضي في دعوى صحة التوقيع المرفوعة بشأن عقد بيع فهو هنا لا ينظر إلى مضمون العقد من حيث صحة الملكية أو إثبات الملكية. ولكنه يتأكد فقط ويتثبت أن الطرف المدعى عليه قد وقع بالفعل على هذا العقد أم لا. أي أن الدعوى لا تبحث في مضمون العقد ولا تنقل الملكية.
أهمية دعوى صحة التوقيع/البصمة:
- تمنح العقد صفة الرسمية: بعد صدور الحكم في الدعوى، يتمّ ختم العقد بختم المحكمة، مما يمنحه درجة من الرسمية وتاريخ ثابت وحجية بين الأطراف وبمواجهة الغير[1] ويقصد بالغير من لم يكن ممثلاً في السند وآل إليه الحق من أحد طرفي السند كالوريث الذي يرث حصة شائعة من التركة ويصبح ممثلاً في جميع العقود التي أبرمها مؤرثه، ففي حال كان هناك خوف من وفاة أحد أطراف العقد من الأفضل الحصول على حكم بصحة التوقيع والبصمة لتجنيب البائع / المشتري الدخول في خصومة قضائية مع الورثة لاحقاً في حال انكارهم للبصمة أو التوقيع على العقد.
- تمنع الطرف المتعاقد الآخر من الطعن في صحة توقيعه أو انكاره: بمجرد صدور الحكم واكتسابه الدرجة القطعية لن يكون بإمكان المدعى عليه إنكار التوقيع على العقد أو الطعن بالتزوير، مما يضمن عدم تراجعه عن التزاماته ويمنح المتعاقدين شعورًا بالأمان القانوني.
الطبيعة القانونية وقواعد الاختصاص القضائي لهذه الدعوى:
دعوى صحة التوقيع هي دعوى مدنية شخصية فهي تستهدف البصمة أو التوقيع وليس العقار موضوع العقد، وبالتالي فهي لا تحتاج لوضع إشارة الدعوى على صحيفة العقار، علماً أن دعوى صحة التوقيع لا تقتصر على عقد البيع، بل يمكن رفعها لكافة أنواع العقود والاتفاقات (كعقود البيع وعقود الهبة وعقود القسمة وعقود الشراكة وعقود الإيجار وعقود العمل … إلخ). ، وينعقد الاختصاص فيها للمحكمة التي يقع في دائرتها موطن المدعى عليه [2] ، وهي تتبع قواعد الاختصاص القيمي ويعود الاختصاص بها إلى محكمة الصلح المدني أو البداية المدنية تبعاً لقيمة العقد موضوع الدعوى.[3]
وتستند دعوى صحة التوقيع إلى المادة 39 من قانون البينات قد أجازت لمن بيده ورقة أو سـند عادي أن يختصم من ينسب إليه السند أو الورقة ليقر بأنه بخطه أو بتوقيعه أو بختمه أو ببصـمة إصبعه ولو كان الالتزام الوارد فيه غير مستحق الأداء، ويكون ذلك بدعوى أصلية. كسند الأمانة بين دائن ومدين حيث يجوز لأحد طرفي العقد أن يرفع دعوى صحة توقيع حتى ولو لم يكن قد حل أجل الدين بعد.
كيفية الحكم في الدعوى:
- في حالة حضور الخصم: إذا حضر الطرف الآخر الجلسة وأقر بصحة التوقيع أو البصمة أو إذا حضر محاميه بموجب سند توكيل أصولي وأقر بذلك يحكم القاضي بصحة التوقيع أو البصمة.[4]
- في حالة غياب الخصم: يتم إخطار الخصم مرة أخرى بموعد الجلسة وإذا تغيب عن الحضور للمرة الثانية يصدر القاضي حكماً بصحة التوقيع أو البصمة.[5]
- في حال حضور الخصم وانكاره التوقيع أو البصمة: تعيين المحكمة خبيراً ليتحقق من صحة البصمة أو التوقيع تحت اشراف قاضي وذلك بمطابقتها مع بصمة وتوقيع المدعى عليه على الأسناد الرسمية أو بالتوقيع الذي يكتب أمام القاضي او البصمة التي يطبعها أمامه.[6]
خاتمة:
دعوى صحة التوقيع تضمن حماية العقد من أي محاولات لإنكار التوقيع، مما يوفر أماناً قانونياً للأطراف المتعاقدة، والحكم الصادر في دعوى صحة التوقيع تقتصر حجيته على صحة التوقيع ولا يتعدى أثره صحة التزامات الطرفين الناشئة عن العقد، ويُنصح باللجوء إلى هذه الدعوى في حال عدم القدرة، أو عدم توفر الظروف المناسبة في اللجوء إلى دعوى تثبيت الالتزامات الواردة في مضمون العقد في الوقت الحالي.
[1] المادة 11 من قانون البينات السوري.
[2] المادة 82 من قانون أصول المحاكمات المدنية.
[3] المادة 63 والمادة 78 من قانون أصول المحاكمات المدنية.
[4] المادة 39 من قانون البينات السوري.
[5] المادة 39 من قانون البينات السوري.
[6] المادة 28 و34 من قانون البينات السوري.