خلال سنوات الصراع السوري، تفشت عمليات تزوير الملكيات العقارية في المحاكم ودوائر السجل العقاري نتيجة الفوضى وغياب المساءلة واتساع نطاق الفساد، ولم تقتصر خسائر العائلات على فقدان منازلها بالعمليات العسكرية فحسب، بل شملت التلاعب بالسجلات الرسمية (الطابو الأخضر)، حيث أصبح لهذه العقارات مُلّاك وشاغلون جدد على الورق.
لقد استغل المزورون غياب أصحاب العقارات بسبب الهجرة والنزوح، وعدم قدرتهم على العودة أو اتخاذ إجراءات قانونية لحماية ممتلكاتهم، إذ بدأت رحلة التزوير ببيع العقارات دون علم أصحابها المتواجدين خارج البلاد أو في مناطق خارج سيطرة النظام السابق. كما كانت ثمة حالات إكراه من قبل متنفذين، حيث أُجبر الملاك تحت تهديد السلاح أو مقابل إطلاق سراح أقاربهم المعتقلين، على التنازل عن ممتلكاتهم بغير وجه حق.
أساليب التزوير:
تنوعت الحيل القانونية التي اتبعها المزورون لشرعنة استيلائهم على عقارات الغائبين، حيث برزت بشكل واضح ظاهرة استغلال “دعاوى تثبيت البيع” والإقرارات الوهمية أمام محاكم البداية المدنية. وفي هذه الحالات، يتم تقديم وكالات مزورة، يحضر بموجبها وكيل بالنيابة عن المالك ويقر أمام القاضي بصحة البيع وقبض الثمن خلافاً للحقيقة، ليصدر بناءً على هذا الإقرار الصوري حكم قضائي يُنفذ في السجل العقاري، وتُنقَل الملكية لاسم المزور، هذا بالإضافة إلى إجبار المالك احياناً بالتنازل عن الملكية دون أن يكون هناك بيع حقيقي وإنما نتيجة الاكراه والابتزاز.
كما استند المزورون في أساليبهم إلى استصدار أحكام قضائية قائمة على “تبليغات باطلة”، من خلال ادعاء شراء العقار بموجب عقد بيع يحمل بصمة أو توقيعاً مزوراً للمالك، مع تعمد عدم تبليغ المالك الحقيقي بالدعوى بشكل قانوني صحيح، أو تزوير عنوان سكنه لحرمانه من حق الدفاع.[1] وفي ظل هذا الغياب المفتعل، تصدر المحكمة حكمها بتثبيت البيع ثم يكتسب الحكم الدرجة القطعية بأساليب احتيالية مماثلة، ليصبح سنداً رسمياً لسلب الحقوق.
ومن بين أساليب السلب الشائعة أيضاً تزوير الوثائق الشخصية، حيث تم استخراج بطاقات شخصية أو جوازات سفر مزورة ببيانات المالك الحقيقي، وذلك بالاستعانة بموظفين فاسدين وتم استخدام هذه الوثائق لإتمام عملية التزوير عبر اشتراك شخصين في الجريمة؛ الأول ينتحل صفة المالك الحقيقي (البائع الوهمي) ليحضر أمام المحاكم أو دوائر السجل العقاري ويتنازل عن الملكية، والثاني هو (الشاري المستفيد)، مما يسمح بنقل ملكية العقار بشكل كامل دون علم صاحبه الأصلي أو موافقته.
سُبُل استرداد الملكيات المسلوبة بالتزوير والاحتيال:
عندما يتمكن السوريون من التحقق من وضع ممتلكاتهم ويواجهون واقعة نقل ملكيتها إلى الغير بطرق التزوير أو الاحتيال أو الإكراه، يمنحهم القانون السوري مخرجاً قانونياً لاستعادة هذه الممتلكات عبر رفع “دعوى فسخ تسجيل عقار”.[2] حيث تهدف هذه الدعوى إلى إبطال البيع المزور أو الغير قانوني وإعادة تسجيل العقار باسم المالك الحقيقي لدى أمانة السجل العقاري، وتُرفع أمام محكمة البداية المدنية المختصة بموقع العقار،[3] مع ضرورة وضع “إشارة الدعوى” على صحيفة العقار لضمان حفظ الحقوق أثناء النزاع.
وتبرز أهمية هذه الدعوى بشكل خاص عند مواجهة المشتري “سيء النية” الذي يعلم بواقعة التزوير، إلا أن الإشكالية تظهر غالباً عندما ينتقل العقار إلى شخص “حسن النية” لا يعلم بالاحتيال أو التزوير أو الإكراه، ورغم أن القانون يحمي مبدئياً استقرار المعاملات، إلا أن الهيئة العامة لمحكمة النقض حسمت هذا الجدل باجتهاد قضائي ملزم، أكدت فيه أن المشتري لا يستفيد من حصانة السجل العقاري[4] إذا كان العقد الأصلي باطلاً، فالعقد الباطل لا يولد أي أثر قانوني وما بُني على الباطل فهو باطل، وحق المالك الأصلي الذي فُقدت ملكيته غصباً أو تزويراً أو احتيالاً هو الأولى بالرعاية والحماية مهما تعددت البيوع.
ولا يتوقف المسار القانوني عند القضاء المدني فحسب، بل يمكن للمتضرر اللجوء إلى القضاء الجزائي أيضاً عبر رفع دعوى التزوير.[5] فاستخدام أحكام قضائية مزورة أو وكالات كاتب عدل وعقود عقارية وهمية لنقل الملكية يُعد تزويراً في محررات رسمية، وهي جريمة تزوير تصل عقوبتها إلى الاعتقال لمدة ثلاث سنوات فأكثر. وبذلك، يمتلك صاحب الحق خيارين متوازيين؛ الادعاء بواقعة التزوير جزائياً لمعاقبة الجناة، وإقامة دعوى فسخ التسجيل مدنياً لاسترداد ملكية عقاره وتطهير السجل العقاري من الآثار الباطلة للتزوير.
خاتمة:
نستخلص مما سبق أن المنظومة القانونية السورية تتيح إبطال البيوع العقارية الناتجة عن التزوير أو الاحتيال أو الإكراه، حتى وإن استندت إلى أحكام قضائية مكتسبة الدرجة القطعية ومسجلة في السجل العقاري. وبينما تظهر فعالية هذه الدعاوى بوضوح في مواجهة المشتري “سيئ النية”، يبرز التحدي عند انتقال العقار إلى “شخص ثالث حسن النية”. وهنا، ورغم ميل نصوص قانون السجل العقاري لحماية استقرار المعاملات القانونية، جاء اجتهاد الهيئة العامة لمحكمة النقض (القرار رقم 6 لعام 2022) ليحسم الجدل، مؤكداً أن المشتري لا يمكنه التمسك بحصانة القيد العقاري إذا كان العقد الأصلي باطلاً؛ فالبطلان لا يولد أثراً، وحق المالك الأصلي في استرداد ملكه المسلوب هو الأولى بالحماية القانونية مهما تعددت البيوع اللاحقة.
ومن أجل توحيد التفسيرات ومنع تضارب الأحكام القضائية، ثمة ضرورة ملحة لتعديل نصوص “قانون السجل العقاري” بما ينسجم مع هذا الاجتهاد القضائي الحديث، فالعدالة تقتضي استعادة العقار بذاته وليس مجرد الحصول على تعويض مادي، نظراً لصعوبة تقدير القيم الحقيقية للعقارات أو تحصيل مبالغ التعويض من مزورين قد يكونون متوارين عن الأنظار أو بلا أموال يمكن تعويض المتضررين منها.
إذاً، يجب أن تكون الأولوية لتمكين المالك من استرداد ملكه، مع حفظ حق المشتري حسن النية في الرجوع على المزور الذي احتال عليه، بهذا التوجه التشريعي فقط، نغلق الثغرات التي استغلها ضعاف النفوس لسلب ممتلكات السوريين الذين اضطروا للنزوح والهجرة، ونضمن حقوقهم.
[1] مقال سابق بعنوان “التبليغ القضائي في سوريا: الضمانة الإجرائية لحق الدفاع”، منشور على موقع مشاركة من اجل العدالة على الرابط التالي:
[2] المادة 14 من القرار رقم 188 لعام 1926 من قانون السجل العقاري في سوريا
[3] المادتين 78-83 من قانون أصول المحاكمات رقم 1 لعام 2016
[4] اجتهاد الهيئة العامة لمحكمة النقض قرار 6 أساس 38 تاريخ 9/3/2022
[5] مقال بعنوان “لمحة مبسطة لجريمة تزوير مستندات الملكية في القانون السوري” منشور على موقع مشاركة من أجل العدالة على الرابط التالي: