بعد أشهر من سقوط نظام بشار الأسد، بدأت الحكومة المؤقتة في سوريا إجراءات ملاحقة القضاة الذين عملوا في “محكمة قضايا الإرهاب”، حيث أصدرت وزارة العدل السورية في شهر شباط/فبراير 2025، قراراً بإحالة 87 قاضياً من هؤلاء القضاة إلى التحقيق، لفتح ملفات التجاوزات التي ارتكبوها بحق المعتقلين. كما وزارة العدل بتاريخ 10 آب/أغسطس 2025، المتضررين من ممارسات قضاة محكمة الإرهاب وابتزازهم وأحكامهم التعسفية إلى تقديم شكاويهم أو الادلاء بشهادتهم ضدهم تمهيداً لمحاسبتهم.
آلية تقديم الشكوى:
يمكن للمتضررين/ات تقديم ادعاءاتهم عبر ديوان محكمة النقض الكائن في (دمشق – أوتوستراد المزة)، أو الحضور شخصياً خلال أوقات الدوام الرسمي، مصطحبين ما لديهم من معلومات أو أدلة مثل (ضبط الشرطة، أو صورة مصدقة عن القرار الصادر بحقّ المدعيّ من محكمة الإرهاب، أو قرار إخلاء السبيل الصادر عن قاضي التحقيق، أو تقرير الطبابة الشرعية الذي يثبت وقوع التعذيب إن وجد. كما يمكن للمتضرر/ة جلب أدلّة على الابتزاز أو الرشاوى، كأنّ تكون مكالمات مسجلة، أو المحادثات عبر تطبيقات التواصل، أو تسجيلات كاميرات المراقبة أو أي دليل آخر). أيضاً يستطيع المتضرر/ة التقدم بطلب الاستماع إليه/ا كشهود للحقّ العام أمام قاضي التحقيق في محكمة النقض والمكلف من قبل الهيئة العامة لمحكمة النقض.
ويمكن للمتضررين المقيمين في خارج البلاد تنظيم وكالة عدلية لمحام في سوريا في القنصلية السورية في بلد إقامتهم، ليقوم بتقديم الشكوى نيابة عنهم ومتابعتها.
وفي حال رغبة المدعيّ/ة في الحصول على تعويض عن الأضرار التي لحقت به من جراء تصرف قضاة محكمة الإرهاب الذين نظروا في القضية، فيجب عليه أن ينصب من نفسه مدعياً شخصياً ويدفع رسوم الادعاء الشخصي (المادة 60 قانون أصول المحاكمات الجزائية)، ويحدد مبلغ التعويض المطالب به، وفي حال وجود أدلة تثبت الخسائر والأضرار الناتجة عن قرارات وأحكام قضاة محكمة الإرهاب، فيفضل إرفاقها في ملف الادعاء، وفي حال عدم وجودها فيترك الأمر للقضاء لتقدير التعويض، وذلك بناء على مدة التوقيف غير المشروع، والظروف التي رافقت الاعتقال، وفيما اذا كان المعتقل هو المعيل الوحيد للأسرة، وعمر الضحية (المدعي)، والفرص التي فقدها بسبب التوقيف كالتعليم أو العمل أو ما شابه، وكافة الظروف والملابسات المحيطة بواقع المدعي.
وفي حال ثبوت إدانة المدعى عليه/م فتحكم المحكمة الناظرة في الدعوى عليه/م بدفع مبلغ التعويض الذي تم تحديده وفقاً لما ذكر أعلاه، وتسمى دعوى المطالبة بالتعويض بدعوى الحقّ الشخصي التي تؤسس في القانون السوري سنداً للمادة 4 من قانون أصول المحاكمات الجزائية، التي نصّت على أنّه “يحق لكل متضرر اقامة دعوى الحقّ الشخصي بالتعويض عن الضرر الناتج عن الجرائم“، وكذلك المادة 138 من قانون العقوبات السوري التي نصت على أنه “كل جريمة تلحق بالغير ضرراً مادياً كان أو أدبياً تلزم الفاعل بالتعويض“، والمادة 164 من القانون المدني السوري التي نصت على أن “كل خطأ سبب ضررا للغير يلزم من ارتكبه بالتعويض“.
خلاصة:
إنّ بناء دولة القانون لا يمكن أن يتم دون الكشف عن الجرائم التي ارتُكبت تحت عباءة القانون، ووضع إطار قانوني يضمن استقلال القضاء ويحمي حقوق الإنسان، وثمّة فرصة للضحايا في المشاركة في مسار محاسبة قضاة محكمة الارهاب الذي قد يشكل بداية ونقطة انطلاق نحو عدالة انتقالية أوسع، تشمل مراجعة شاملة للإطار القانوني الذي سمح بتلك الانتهاكات لمنع تكرارها مستقبلاً، وتمهيداً لإصلاح المنظومة القضائية من الفساد. ونظراً لأهمية هذه الخطوة في مسار العدالة، فإن الحكومة الانتقالية مطالبة بفتح باب تقديم الدعاوى في جميع المحافظات السورية وعدم حصره بديوان محكمة النقض في دمشق كونه قد يشكل عائق أمام آلاف المتضررين في المحافظات الأخرى، خاصة ممن لا يستطيعون السفر لأسباب صحية أو مالية أو أمنية، والحفاظ على خصوصية وسرية الضحايا الذين يتقدمون بشكاوى أو شهادات ممن لا يرغبون بالكشف عن هوياتهم، والالتزام بإجراءات علنية للمحاكمات بعد انتهاء مرحلة التحقيق السرية، وهو ما يتيح للصحفيين والمنظمات الحقوقية متابعة مجريات المحاكمة لضمان نزاهة الاجراءات.
كما يجب أن ينص الدستور السوري المقبل على ضمانات مرتبطة بشروط المحاكمة العادلة وأن يلتزم بالمبادئ الأساسية لاستقلال القضاء التي نصت عليها الأمم المتحدة، ومن بينها ( تفصل السلطة القضائية في المسائل المعروضة عليها دون تحيز، على أساس الوقائع ووفقا للقانون، ودون أية تقييدات أو تأثيرات غير سليمة أو أية إغراءات أو ضغوط أو تهديدات أو تدخلات، مباشرة كانت أو غير مباشرة، من أي جهة أو لأي سبب(.
خلفية عن محكمة قضايا الإرهاب:
تأسست محكمة قضايا الارهاب وفق القانون رقم 22 لعام 2012 الصادر عن الرئيس السوري السابق بشار الاسد، كان الهدف من محكمة الإرهاب هو إصدار أحكام تجريم الحراك الشعبي في سوريا، ضدّ نظام الأسد، وإضافة طابع شرعي للاعتقال السياسي، وغطاء قانوني على ممارسات فروع المخابرات السورية .لم تكن محكمة الارهاب يوماً مؤسسة عدلية بل كانت أشبه بفرع أمني بغطاء قضائي يخدم مصالح النظام السابق في تصفية خصومه وسحق المعارضة وملاحقة النشطاء السياسيين تحت مظلة “مكافحة الإرهاب ” .
كما كانت المحكمة الأداة الرئيسة لملاحقة عشرات آلاف السوريين، وإصدار أحكام تعسفية وجائرة بالإعدام والسجن المؤبد بحقهم وسط تجاهل تام لقواعد المحاكمة العادلة، حيث أن النص القانوني الذي تعمل بموجبه المحكمة ( القانون رقم 19 لعام 2012) تمت صياغة مواده بطريقة فضفاضة تمكن المحكمة من توجيه التهم بكل سهولة. كما استحدث قانون المحكمة جرائم جديدة يعاقب عليها القانون، مثل “استخدام وسائل التواصل الإلكتروني”، وذلك “بقصد الترويج لوسائل الإرهاب أو الأعمال الإرهابية”[1]، وجريمة “عدم التبليغ”، وتشمل “كل سوري أو أجنبي مقيم في سورية علم بإحدى الجنايات المنصوص عليها في هذا القانون ولم يخبر السلطة عنها”[2]، اضافة إلى العقاب على “النوايا”، وتشمل “التفكير بالقيام بالعمل من دون ضرورة وجود أفعال مادية تؤيد ذلك[3]“.
أنشئت محكمة الارهاب كمحكمة استثنائية [4] تخضع لهيمنة السلطة التنفيذية ممثلةً برئيس الجمهورية، حيث كان رئيس الجمهورية السابق يعيّن قضاة المحكمة بمن فيهم قضاة التحقيق وقضاة النقض[5]، في مخالفة صريحة لمبدأ فصل السلطات. كما كانت لا تتقيد بإجراءات التقاضي المتبعة أمام القضاء العادي في جميع أدوار الملاحقة والمحاكمة، ولا بشروط المحاكمة العادلة، كمبدأ تعدد درجات الطعن، وحقوق الدفاع، وعلنية الجلسات، كما لم يميز قانون المحكمة بين الحدث والبالغ وبين المدني والعسكري.
وقد منح قانون إحداث محكمة الارهاب القضاة العاملين في المحكمة صلاحيات واسعة، حيث أعفاهم من التقيد بالأصول والإجراءات المنصوص عليها في القوانين العادية[6]، وترك الأمر لمشيئة القاضي في كيفية التعامل مع الموقوف، فله مثلاً أن يستجوبه بدون حضور محامي، كما أن القاضي لا يستجيب لطلب الموقوف أو وكيله بعرضه على الطبابة الشرعية للتأكد من تعرضه للتعذيب، وغالباً ما يتقيد القاضي بالاعترافات الواردة في الضبط الأمني التي انتزعت من المعتقلين بالضرب والتعذيب والإكراه الشديد[7]. وغالباً ما استغل قضاة محكمة الارهاب مناصبهم للتربح والابتزاز وتلقي الرشاوى من المعتقلين وذويهم مقابل تخفيف الأحكام أو الإفراج عنهم وتبرئتهم من التهم المنسوبة إليهم أو حتى تقريب موعد جلسات المحاكمة التي قد يفصل بينها مدة سنة أو سنتين [8] . واصدار أحكام تعسفية بحق المعتقلين (الذين تم اعتقالهم دون وجه حق ودون وجود أسباب موجبة للاعتقال[9] وتمت ادانتهم على أفعال لم يكن يصح تجريمها من الأساس كمحاكمة نشطاء سلميين بتهمة مساعدة الإرهابيين لكن المزاعم المأخوذة على النشطاء لا تزيد في الواقع عن أفعال من قبيل توزيع المساعدات الإنسانية والمشاركة في مظاهرات وتوثيق انتهاكات حقوق الإنسان).
[1] المادة 8 من القانون رقم 19 لعام 2012
[2] المادة 10 من القانون رقم 19 لعام 2012
[3] المادة 2 من القانون رقم 19 لعام 2012
[4] مقال نشر على موقع المركز العربي لدراسات سورية المعاصرة بتاريخ 2/8/2021 متوفر على الرابط التالي https://www.harmoon.org/researches/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AD%D8%A7%D9%83%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D8%AB%D9%86%D8%A7%D8%A6%D9%8A%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A9-%D8%AC%D8%B1%D8%A7%D8%A6%D9%85-%D8%A8%D8%A7/ اخر زيارة للرابط بتاريخ 24/8/2025
[5] المواد 2 و5 من القانون رقم 22 لعام 2012
[6] المادة 7 من القانون رقم 22 لعام 2012
[7] مقال نشر على موقع طلعنا عالحرية بتاريخ 21/8/2016 للمحامي ميشيل شماس متوفر على الرابط التالي https://freedomraise.net/%D9%85%D8%AD%D9%83%D9%85%D8%A9-%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8-%D9%84%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%B9%D8%A8/ اخر زيارة للرابط بتاريخ 24/8/2025
[8] وفقا لشهادات أدلى بها معتقلين سابقين لموقع تلفزيون سوريا في مقال نشر بتاريخ 2025.02.14 متوفر على الرابط التالي https://www.syria.tv/%D8%B3%D9%81%D8%A7%D8%AD%D9%88-%D9%85%D8%AD%D9%83%D9%85%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8-%D9%82%D8%B5%D8%B5-%D9%8A%D8%B1%D9%88%D9%8A%D9%87%D8%A7-%D9%85%D8%B9%D8%AA%D9%82%D9%84%D9%88%D9%86-%D8%B3%D8%A7%D8%A8%D9%82%D9%88%D9%86-%D8%B9%D9%86-%D9%82%D8%B6%D8%A7%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AD%D9%83%D9%85%D8%A9 أخر زيارة للموقع بتاريخ 24/8/2025
[9] بيان صحفي نشر على موقع هيومن رايتس ووتش بتاريخ 25/6/2013 متوفر على الرابط التالي https://www.hrw.org/ar/news/2013/06/25/250229 اخر زيارة للرابط بتاريخ 24/8/2025