تُعدّ السجلات العدلية من أهم مصادر إثبات الحقوق وحفظ المعاملات القانونية بين الأفراد والمؤسسات، وأيّ خلل أو فقدان في هذه السجلات ينعكس مباشرة على مصالح المواطنين واستقرار التعاملات الرسمية.

ونظراً لما تعرضت له بعض دوائر الكتّاب بالعدل في سوريا من فقدان أو تلف أو احتراق لعدد من سجلاتها ووثائقها، أصدرت وزارة العدل تعميماً يحدد آلية مؤقتة لترميم هذه السجلات، وما تحتويه من عقود ووثائق ووكالات تخص المواطنين، وذلك ريثما يصدر صك تشريعي خاص ينظم هذه المسألة.

 التعميم يشكّل خطوة تنظيمية جديدة، لكنه يفتح في الوقت نفسه باب التساؤلات حول علاقته بالقانون رقم 33 الذي أصدره النظام السوري السابق في 23 تشرين الثاني/نوفمبر 2017 الناظم لإعادة تكوين الوثيقة العقارية المفقودة أو التالفة جزئياً أو كلياً. فهل يتكامل التعميم مع القانون المذكور، أم يشكّل مساراً موازياً له؟ وكيف يمكن تطوير هذه الآليات لضمان حماية الحقوق بشكل أكثر فعالية وشمولاً؟

 آلية مؤقتة لترميم السجلات:

تكتسب هذه الخطوة أهميتها من كون السجلات العدلية تمثل الإطار الرسمي لتوثيق المعاملات القانونية وحفظ الحقوق المدنية والعقارية.

فقد أدى فقدان أو تلف هذه السجلات في عدد من المحافظات خلال سنوات الحرب إلى خلل مباشر في منظومة العدالة، انعكس على حياة المواطنين وتعاملاتهم اليومية.

ومن هنا جاء التعميم الأخير لوزارة العدل كإجراء تنظيمي مؤقت يهدف إلى ترميم الوثائق المتلفة عبر آلية محددة تضمن التحقق من صحتها وإعادة حفظها أصولاً في سجلات جديدة.

التعميم وضع سلسلة من الخطوات الدقيقة تبدأ بتقديم طلب الإيداع من قبل أصحاب العلاقة، مروراً بالتدقيق من قبل الكاتب بالعدل وإشراف القاضي البدائي الأول، وصولاً إلى حفظ النسخة الجديدة في سجل خاص.

وأوضحت الوزارة، في بيانها الصادر يوم الخميس 30 تشرين الأول/أكتوبر، أن العديد من التساؤلات وردت إليها “حول إمكانية حفظ النسخ الأصلية أو الصور طبق الأصل عن العقد أو الوكالة التي بحوزة ذوي الشأن في سجل خاص بحيث تأخذ رقم حفظ، وبحيث يتسنى لأصحاب العلاقة الحصول على صورة مصدقة عن العقد أو الوكالة بعد عملية الحفظ، والتعليمات والآلية التي يجب اتباعها في هذا الشأن”.

وبينت الوزارة أن قانون الكاتب بالعدل رقم /15/ لعام 2014 لم يتضمن نصوصاً تعالج مثل هذه المسألة المذكورة، لذلك وضعت آلية مؤقتة لتسهيل ترميم الوثائق المفقودة.

ورغم أن الآلية تبدو واضحة من حيث الشكل، إلا أن طبيعتها المؤقتة تطرح تساؤلات حول مدى كفايتها، خصوصاً في ظل غياب نص تشريعي شامل ينظّم المسألة بصورة نهائية.

وفي هذا السياق، يبرز التساؤل حول المرجعية القانونية التي يجب اعتمادها عند فقدان أو تلف الوثائق العدلية، لا سيما أن القانون رقم 33 لعام 2017 كان قد عالج مشكلة مشابهة تتعلق بفقدان الوثائق العقارية، محدداً إجراءات إدارية وقضائية لإعادة تكوينها والتحقق من صحتها.

لكن هذا القانون اقتصر على الوثائق العقارية حصراً، ولم يشمل السجلات العدلية التي توثّق العقود والوكالات والإقرارات.

 تداخل الصلاحيات بين القانون 33 والتعميم الجديد:

يثير التعميم الصادر عن وزارة العدل إشكالية قانونية تتعلق بتحديد المرجعية التي يجب تطبيقها في حال كانت الوثائق المتلفة ذات طبيعة عقارية لكنها محفوظة لدى دوائر الكتّاب بالعدل.

فالقانون رقم 33 لعام 2017، صدر بهدف تنظيم إعادة تكوين الوثائق العقارية المفقودة أو التالفة نتيجة الظروف الاستثنائية التي مرت بها البلاد.

لكن القانون ذاته أثار جدلاً واسعاً منذ صدوره، فبحسب تقرير صادر عن منظمة “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” في 17 كانون الثاني/يناير 2023، اتسمت بعض نصوص القانون بـ”الغموض والضبابية”، ومنحت صلاحيات واسعة للسلطة التنفيذية على حساب السلطة القضائية، كما حدّدت مهلاً قصيرة للاعتراض أو الاستئناف، ما قد يحرم كثيرين من المطالبة بحقوقهم، خصوصاً المهجرين واللاجئين.

ورأت المنظمة أن القانون “33” لا يوفّر ضمانات كافية لحماية حقوق الملكية، ويُخشى أن يُستخدم لتثبيت وقائع تضرّ بالسكان الذين فقدوا ممتلكاتهم خلال النزاع، لا سيما في المناطق التي استعاد النظام السيطرة عليها.

أما التعميم الأخير فيتعلق أساساً بالسجلات العدلية والعقود والوكالات التي توثق لدى الكتّاب بالعدل، لكنه لم يحدد موقفاً صريحاً من الوثائق العقارية التي قد تكون ضمن هذه السجلات.

وبما أن الإعلان الدستوري السوري نصّ على استمرار العمل بالقوانين النافذة ما لم تُلغَ أو تُعدّل بنص جديد، فإن القانون رقم “33” يبقى المرجع في كل ما يتصل بالوثائق العقارية، حتى لو كانت بحيازة الكاتب بالعدل، بينما يُطبّق التعميم على الوثائق العدلية الأخرى غير العقارية.

الحاجة الملحّة إلى الأرشفة الرقمية:

هذا الواقع يبرز الحاجة إلى مراجعة شاملة للقوانين ذات الصلة، بحيث يُعاد النظر في القانون رقم 33 أو يُصدر نصّ جديد يوحّد آليات ترميم الوثائق العقارية والعدلية معاً، ويضع معايير دقيقة للحفظ الرقمي والتوثيق الإلكتروني.

فالاعتماد على الأرشفة الورقية وحدها لم يعد كافياً، خصوصاً بعد التجارب المريرة لفقدان آلاف السجلات، الأمر الذي يستدعي الانتقال إلى نظام أرشفة إلكتروني مؤمّن، يوفّر نسخاً رقمية معتمدة قانوناً، ويمنح المواطن والجهات الرسمية إمكانية الوصول الموثوق إلى البيانات.

ورغم أهمية الخطوات التنظيمية في مجال ترميم السجلات العدلية، إلا أن نجاح أي مشروع للأرشفة الرقمية يبقى مرهوناً بقدرة الكوادر العدلية على التعامل مع التقنيات الحديثة. فمكاتب الكتّاب بالعدل والقضاة عملت في بيئة ورقية بالكامل، ما يجعل الانتقال إلى النظم الإلكترونية تحدياً عملياً ومعرفياً في آن واحد.

يتطلّب ذلك تنفيذ برامج تدريب متخصصة تشمل ثلاث مستويات: الأول تقني، يركّز على مهارات استخدام أنظمة الأرشفة وإدخال البيانات والتعامل مع النسخ الإلكترونية للوثائق، والثاني قانوني، يُعنى بشرح الإطار التشريعي الذي ينظّم اعتماد الوثائق الرقمية والتوقيع الإلكتروني، والثالث: إداري تنظيمي يهدف إلى تدريب الموظفين على إدارة سير العمل الإلكتروني، وتنظيم الوثائق ضمن النظام الرقمي، وآليات الحفظ والمراجعة.

وتُظهر تجارب دول مرت بظروف مشابهة مثل إثيوبيا، البوسنة والهرسك، وأوكرانيا، وروندا، كمبوديا، أن التحول الرقمي في القطاعات غالباً ما ارتبط بجهود لإعادة بناء مؤسسات الدولة وتحسين كفاءة الخدمات العامة، من خلال رقمنة السجلات وتوحيد قواعد البيانات الحكومية بعد سنواتٍ من النزاع أو الانقسام المؤسسي.

 وبالنظر إلى ضعف الخبرات المحلية في سوريا، يمكن أن يشكّل التعاون مع مؤسسات دولية كـ برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) والاتحاد الأوروبي خطوة ضرورية لتأمين الدعم الفني وبناء القدرات المحلية.

 وفي سوريا، يمكن أن يشكّل هذا التوجه بداية تحوّل نوعي في العمل العدلي، إذا ترافق مع تدريب الكوادر العدلية على التعامل مع التقنيات الحديثة، ووضع أنظمة رقابة إلكترونية وقضائية مشتركة.

في المحصلة، يشكّل تعميم وزارة العدل خطوة مهمة نحو تنظيم العمل العدلي في المناطق المتضررة، لكنه لا يمكن أن يكون بديلاً عن تشريع دائم وواضح يضمن وحدة الإجراءات واستقرارها.

فالمطلوب اليوم هو الانتقال من الحلول المؤقتة إلى سياسة قانونية رقمية شاملة تعيد بناء الثقة في مؤسسات العدالة وتحفظ الوثائق والسجلات القانونية للدولة والأفراد من الضياع.