تُمثّل ظاهرة ‘الارتزاق’ أحد أخطر التحديات القانونية والإنسانية التي أفرزتها الأزمة السورية؛ إذ أدى التدهور الاقتصادي الحاد وانحسار فرص العمل، وحالة اللا-دولة والانصياع لأجندات إقليمية ودولية، إلى اندفاع فئات من الشباب السوري نحو الانخراط في نزاعات مسلحة عابرة للحدود لا تخدم المصالح الوطنية.

وفي هذا السياق، يتحول هؤلاء المقاتلون إلى ‘مرتزقة’ مدفوعين باستغلال حاجاتهم المادية، سعيًا وراء مكافآت مالية أو وعود بامتيازات قانونية معينة، كالإقامة والجنسية.

وقد تجلّى هذا الاستغلال في قيام أطراف دولية فاعلة في المشهد السوري بتجنيد مقاتلين محليين وتوجيههم نحو جبهات قتال خارجية؛ حيث جندت روسيا مجموعات للقتال في ليبيا إلى جانب قوات اللواء خليفة حفتر، وفي المقابل، أرسلت تركيا مقاتلين من فصائل ‘الجيش الوطني’ لدعم حكومة الوفاق الليبية، فضلاً عن إشراكهم في النزاع الأذري-الأرمني، مع استمرار المؤشرات على احتمالية توظيفهم في بؤر صراع أخرى.

وعلى الرغم من وجود تحذيرات أممية صريحة تحظر استخدام المرتزقة لكونهم أداة لانتهاك حقوق الإنسان وتقويض حق الشعوب في تقرير مصيرها، إلا أن الأطر القانونية -على المستويين الدولي والوطني- لا تزال تتسم بالضبابية والارتهان للمناخ السياسي العام. ويظهر القصور جلياً في غياب المحاكمات العلنية الرادعة بحق المرتزقة أمام القضاء الدولي حتى الآن، مما يكرس حالة الإفلات من العقاب في هذا الملف.

الإطار القانوني لظاهرة الارتزاق:

تتحدد المرجعية القانونية الدولية لمكافحة الارتزاق عبر “الاتفاقية الدولية لمناهضة تجنيد المرتزقة واستخدامهم وتمويلهم وتدريبهم“، التي تضع تعريفاً دقيقاً للمرتزق بكونه شخصاً يُجنَّد خصيصاً، محلياً أو في الخارج، ليقاتل في نزاع مسلّح، ويشارك فعلياً ومباشرة في الأعمال العدائية، ويكون الدافع الأساسي لمشاركته تحقيق مكاسب شخصية، ويُوعد بتعويض مادي يفوق ما يُمنح المقاتلون ذوو الرتب والوظائف المماثلة في القوات المسلحة لذلك الطرف. وليس من رعايا طرف في النزاع أو مستوطناً في إقليم يسيطر عليه أحد أطراف النزاع. وليس عضواً في قوات لأحد أطراف النزاع، ولا موفداً في مهمة رسمية من دولة ليست طرفاً في النزاع بوصفه عضواً في قواتها المسلحة.

 وبموجب المادة الثانية من هذه الاتفاقية، يُعد كل من يساهم في تجنيد أو تمويل أو تدريب هؤلاء الأشخاص مرتكباً لجرم قانوني، وأشارت الاتفاقية إلى أنه لا يجوز للدول الأطراف في الاتفاقية، تجنيد المرتزقة أو استخدامهم أو تمويلهم أو تدريبهم، لغرض مقاومة الممارسة الشرعية لحق الشعوب غير القابل للتصرف في تقرير المصير، حسبما يعترف به القانون الدولي، وعليها أن تتخذ الإجراءات المناسبة، وفقاً للقانون الدولي، لمنع هذه الأفعال. وتُلزم الفقرة الثالثة من المادة الخامسة الدول الأطراف بفرض عقوبات مناسبة على الجرائم الواردة في الاتفاقية، حيث تأخذ في الاعتبار الطابع الخطير لهذه الجرائم، وهو ما يقتضي عملياً تجريم هذه الأفعال في التشريعات الوطنية حتى يتسنى معاقبة مرتكبيها.

وقد وصفت الجمعية العامة للأمم المتحدة أنشطة المرتزقة بانها تهديد للسلم والأمن الدوليين، وانتهاك لحق الشعوب في تقرير مصيرها.

ورغم إنشاء الأمم المتحدة فريقاً عاملاً في عام 2005 لمتابعة هذه الانتهاكات، إلا أن الإطار القانوني الدولي لا يزال يواجه تحديات في إخضاع الشركات العسكرية والأمنية الخاصة للمحاسبة.

 أما على الصعيد الوطني السوري، فيعاني التشريع الحالي من قصور واضح؛ إذ تكتفي المادة “280” من قانون العقوبات بتجريم فعل “التجنيد” لمصلحة دولة أجنبية دون إذن حكومي، وتعاقب عليه بالاعتقال المؤقت، لكنها تغفل تماماً الأركان الجوهرية الأخرى للجريمة كالتمويل والتدريب والاستخدام، مما يجعل النص المحلي قاصراً عن مواكبة المعايير والالتزامات الدولية في هذا الشأن.

خاتمة وتوصيات:

تخلص هذه الدراسة إلى أن ظاهرة الارتزاق في السياق السوري ليست مجرد خيار فردي، بل هي نتيجة لتقاطع الأزمات الاقتصادية الحادة مع القصور التشريعي وحالة الفلتان الأمني وغياب القانون التي شهدتها البلاد طوال السنوات السابقة. وبناءً عليه، تبرز الحاجة الملحة لتبني مقاربة وطنية شاملة ترتكز على ضرورة إجراء تعديلات جوهرية في قانون العقوبات السوري، ولا سيما المادة (280)، لتشمل تجريم كافة أركان جريمة الارتزاق (التجنيد، التمويل، التدريب، والاستخدام) بما يتوافق مع “الاتفاقية الدولية لمناهضة تجنيد المرتزقة”، ويجب أن تتضمن النصوص الجديدة عقوبات رادعة لا تقتصر على الأفراد، بل تمتد لتشمل الكيانات والشبكات الوسيطة وسماسرة التجنيد، ولا سيما أن سوريا طرف في الاتفاقية الدولية المذكورة وعليها بالتالي الوفاء بالتزاماتها الواردة في الاتفاقية.

كما لا بد من إطلاق حملات مكثفة لرفع الوعي القانوني بمخاطر الارتزاق، وتوضيح آثاره الكارثية التي تؤدي إلى فقدان “صفة المقاتل النظامي” عن المرتزق، وبالتالي حرمانه من الحماية التي توفرها اتفاقيات جنيف الأربع للمقاتلين والأسرى.

ويجب الاعتراف أيضاً بأن مواجهة هذه الظاهرة لا تكتمل بالردع القانوني وحده، بل تتطلب سياسات اقتصادية تعالج جذور المشكلة، عبر توفير البدائل المعيشية وفرص العمل الكريمة، لضمان عدم تحول الفقر والبطالة إلى ثغرة تُستغل لزجّ السوريين في صراعات لا تخدم سوريا.