تُعد ظاهرة النهب من الانتهاكات المتكررة التي واجهها السوريون خلال سنوات النزاع وبشكل واسع، وهي ممارسة لم تكن مجرد حوادث سرقة فردية، بل تحولت إلى سلوك ممنهج يُعرف شعبياً بمصطلح “التعفيش”. هذا المصطلح يصف الاستيلاء المنظم على ممتلكات المدنيين المنقولة، من مركبات وأثاث منزلي وأجهزة كهربائية وحتى المحاصيل الزراعية والمواشي، وغالباً ما كان يترافق ذلك مع العمليات العسكرية أو حالات الفراغ الأمني وانتشار القوى المسيطرة على الأرض.
لقد بدأت هذه الظاهرة مع تحول الحراك الشعبي إلى نزاع مسلح، حيث انتهج النظام السابق سياسة اجتياح الأحياء السكنية عسكرياً ثم نهب محتوياتها، وهي ممارسة استمرت وتكررت في معظم المناطق السورية ومن قبل مختلف الأطراف المتصارعة، حتى بعد سقوط النظام وتولي سلطات جديدة للمسؤولية.
وانتشر مصطلح “التعفيش” بكثرة بين السوريين خلال سنوات الصراع بعد تحوّل الحراك الشعبي من طابعه السلمي إلى نزاع مسلح، ومع مرور الوقت، تجاوز المصطلح معناه اللغوي ليصبح توصيفاً لسلوك ممنهج ارتبط بالعمليات العسكرية، لا سيما في أعقاب السيطرة على المناطق.
جرائم السرقة والنهب وفق التشريعات السورية:
لم يتساهل المشرّع السوري مع هذه الأفعال، بل وضعها في إطار شديد الحزم، خاصة حين تُرتكب استغلالاً لظروف الحروب والكوارث. فوفقاً لقانون العقوبات العام رقم 148 لعام 1949، تُعتبر السرقة جريمة تستوجب “الأشغال الشاقة المؤقتة” إذا وقعت في حالات الحرب، أو العصيان، أو الاضطرابات، أو حتى غرق سفينة أو أي نائبة عامة أخرى. والمنطق من وراء هذا التشديد هو أن الفاعل يضاعف من وطأة المحنة على المجتمع، فبدلاً من أن يسهم في تخفيف أعباء الناس، يستغل انشغالهم بالكارثة ليجني مكاسب غير مشروعة (المادة 627).
وتزداد العقوبة قسوة لتصل إلى “الأشغال الشاقة المؤبدة” أو المؤقتة التي تتراوح بين 15 إلى 20 سنة، إذا ارتكبت السرقة ضمن ظروف تجعلها بالغة الخطورة. ويتحقق ذلك حين تجتمع عدة أحوال في الجريمة، كأن تقع ليلاً، وبفعل شخصين أو أكثر، وعن طريق اقتحام منازل الناس وملحقاتها باستخدام الخلع، أو مفاتيح مصنعة، أو حتى بانتحال صفة موظف وارتداء زيه. كما يشدد القانون العقوبة إذا كان السارقون مقنعين أو يحمل أحدهم سلاحاً، أو إذا استخدموا العنف والتهديد لتسهيل الجريمة أو تأمين هروبهم بالمسروقات (المادة 622).
كذلك، يقرر القانون عقوبة “الأشغال الشاقة المؤقتة” في حالات أخرى، مثل مرافقة السرقة للعنف الجسدي ضد الأشخاص، أو إذا تمت في أماكن مقفلة ومصانة بالجدران (سواء كانت مأهولة أم لا) عبر التسلق أو الخلع أو الدخول بطرق غير مألوفة. كما أفرد القانون نصاً خاصاً لسارقي السيارات، معاقباً إياهم بالأشغال الشاقة المؤقتة لمدة لا تقل عن خمس سنوات (المواد 624-625-625 مكرر).
أما بالنسبة للعسكريين، فقد وضع قانون العقوبات العسكري رقم 61 لعام 1950 ضوابط صارمة جداً. فبموجب المادة 136، يعاقب العسكري بـ “الأشغال الشاقة المؤبدة” إذا شارك ضمن عصابة في سلب أو إتلاف المواد الغذائية أو البضائع باستخدام السلاح أو القوة الظاهرة أو العنف. وفي حال وجود ضابط أو محرض بين الفاعلين، تُطبق عقوبة المؤبد على المحرض الأعلى رتبة، بينما ينال البقية الأشغال الشاقة المؤقتة (المادة 136).
جرائم السرقة والنهب وفق العهود والمواثيق الدولية:
يُعتبر النهب انتهاكاً صارخاً لاتفاقيات جنيف، خاصة عندما يتم تدمير الممتلكات أو الاستيلاء عليها على نطاق واسع؛ إذ تنص المادة (50) من اتفاقية جنيف الأولى على أن هذه الأفعال غير مشروعة وتعسفية، ولا يمكن التذرع بالضرورات الحربية لتبريرها. هذا الحظر قانوني وشامل، كما ان نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، اعتبر الاستيلاء على الممتلكات دون أن تكون هناك ضرورة عسكرية تبرر ذلك وبالمخالفة للقانون وبطريقة عابثة، جريمة حرب، ولاسيما عندما ترتكب في إطار خطة أو سياسة عامة أو في إطار عملية ارتكاب واسعة النطاق لهذه الجرائم.
ويعزز القانون الدولي الانساني العرفي هذا الحظر من خلال القاعدتين (50-52)، اللتين تحظران النهب والاستيلاء على ممتلكات الخصم بدون ضرورات عسكرية قهرية، وتعتبرانه جريمة حرب، سواء كان النزاع المسلح دوليا أو غير ذو طابع دولي، ويشمل جميع أطراف النزاع.
وبناءً على هذه المعايير الدولية، فإن جرائم السرقة والنهب التي شهدتها سوريا منذ عام 2011، والتي نُفذت ضمن خطط ممنهجة وواسعة النطاق (سواء قبل سقوط النظام أو بعده)، تمنح الضحايا وعائلاتهم الحق الكامل في المطالبة بتوصيف قانوني دقيق لهذه الأفعال. هذا التوصيف يجب أن يتناسب مع جسامة الجرائم المرتكبة بحقهم والتعامل معها كجرائم حرب، لضمان عدم ضياع حقوقهم.
الجرائم الجسيمة لا تخضع لقواعد التقادم ولا لمبدأ عدم رجعية القوانين:
تخضع الجرائم الجسيمة لقواعد استثنائية في القانون تضمن عدم إفلات الجناة من العقاب مهما طال الزمن، حيث استثنى الإعلان الدستوري السوري جرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية، وجرائم الإبادة الجماعية من مبدأ “عدم رجعية القوانين”. ورغم أن هذا النص يعيبه حصر الاستثناء بجرائم النظام السابق فقط، إلا أنه يظل قاعدة يمكن البناء عليها لمنح القضاء السوري الحق في البحث في هذه الانتهاكات وتوصيفها قانونياً بشكل سليم بناءً على ما ورد في الإعلان الدستوري، كما يمكن أن يشكل الأساس لتضمين كافة الجرائم الجسيمة ضمن هذه القاعدة، بموجب قوانين لاحقة، بغض النظر عن الطرف المرتكب للانتهاك.
ويتكامل هذا التوجه مع القاعدة 160 من قواعد القانون الدولي الانساني العرفي، التي تنص صراحة على أن جرائم الحرب مستثناة من مبدأ التقادم، فلا يسقط الجرم بمرور السنين. وهذا يتوافق كذلك مع اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1968 التي أكدت على عدم سريان التقادم على جرائم الحرب والجرائم ضد الانسانية، مما يفتح الباب واسعاً أمام محاسبة المتورطين في النهب والسرقة الممنهجة باعتبارها جزءاً من هذه المنظومة الجرمية.
خاتمة وتوصيات:
لا تزال العديد من المناطق السورية التي تعاني من توترات أمنية أو اشتباكات مسلحة تشهد حالات مقلقة من النهب والاستيلاء على ممتلكات المدنيين، حيث تجد هذه الجرائم بيئة خصبة في ظل الفوضى وغياب المساءلة الفورية.
إن استمرار هذا التعدي يفرض مسؤولية تاريخية وقانونية على الدولة والسلطات القائمة لفرض النظام العام، واتخاذ تدابير حازمة لحماية الممتلكات وملاحقة الجناة. ومن هذا المنطلق، يبرز الاحتياج الملح لتأسيس آليات قانونية شفافة تضمن استرداد الأموال والممتلكات المصادرة، وتعيد تفعيل سيادة القانون بمساءلة المتورطين كافة دون تمييز، مع تمكين المتضررين من تقديم دعاوى قضائية فعالة لنيل تعويضات عادلة.
كما يقع على عاتق الحكومة الانتقالية واجب الانضمام إلى نظام روما للمحكمة الجنائية الدولية، والاعلان عن قبولها باختصاص المحكمة حتى بالنسبة للجرائم المرتكبة قبل تاريخ انضمامها سندا للمادة 12، وكذلك العمل على سن ودمج تشريعات واضحة توصف جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية ضمن القوانين الجزائية الوطنية لضمان عدم تكرار هذه الانتهاكات.
وفي إطار السعي نحو جبر الضرر، يمتلك المتضررون اليوم حق اللجوء إلى “الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية”، التي أُنشئت بموجب المرسوم الرئاسي رقم 20 في 17 أيار 2025، حيث تقع على عاتقها مهام جوهرية تشمل كشف الحقائق، ومساءلة المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة، وتحقيق التعويض العادل للضحايا. ومن الضروري أن يبادر المتضررون لتوثيق حالات الاستيلاء التي تعرضوا لها لضمان إدراجها ضمن آليات معالجة الأضرار التي تعتمدها الهيئة، مع التأكيد على ضرورة شمولية عملها لتنظر في كافة الانتهاكات التي وقعت على الأرض السورية من قبل مختلف الأطراف، دون استثناء أو حصرها بجهة بعينها، تحقيقاً لعدالة وطنية شاملة تنصف الجميع.