بعد أشهر من الأحداث الدامية، نشرت وكالة “رويترز” للأنباء تحقيقًا موسعًا عمّا بات يعرف بأحداث الساحل السوري التي وقعت في مارس/آذار 2025، ذكرت فيه وقوع عمليات قتل جماعي في الساحل، عقب محاولة تمرّد قام به ضباط من النظام السابق على قرى ومدنيين ونقاطًا أمنية في المنطقة.
واتهم التحقيق جهات حكومية بالتورط بتنفيذ عمليات القتل، من ضمنها جهاز الأمن العام. وقالت إن عدد الضحايا قد يصل إلى نحو 1500 مدني، مع وجود عشرات المفقودين.
وبحسب التحقيق الذي جاء بعد أكثر من ثلاثة أشهر على المجازر، تورط نحو 12 فصيلًا يتبع بشكل مباشر أو شكلي لوزارة الدفاع السورية فيها، تلقى عناصرها أوامر مباشرة بالقتل من قادتها. ومن بين الوحدات ذكرت “رويترز”، (جهاز الأمن العام التابع للحكومة، وهو جهازها الرئيسي لإنفاذ القانون أيام إدارة “هيئة تحرير الشام” لإدلب، والتي أصبحت الآن جزءًا من وزارة الداخلية، ووحدات سابقة تابعة “لهيئة تحرير الشام”، مثل الوحدة “400”، و”لواء عثمان”).
وتورط أيضًا فصائل أخرى مدعومة من تركيا، مثل فرقة “الحمزة/الحمزات” و”لواء السلطان سليمان شاه/العمشات”، اللتين سبق أن فُرضت عليهما عقوبات أوروبية، على خلفية تلك الأحداث، إضافة إلى فصيل يحوي عناصر أجنبية كالحزب الإسلامي التركستاني، وفصيل “جيش الإسلام” العامل في ريف دمشق.
ومن بين المناطق التي قالت “رويترز” إنها شهدت عمليات قتل واسعة: قرية “المختارية”: بلغ عدد الضحايا 157، وقرية “الرصافة”: قُتل فيها وفقًا للوكالة، 60 مدنيًا، وقرية “الصنوبر”: 236 شخصًا، معظمهم من فئة الشباب، بالإضافة لمناطق أخرى ذكرتها الوكالة.
وفقًا لما أورده التقرير، فقد تجمّع عدد من المقاتلين، وكان كثير منهم ملثّمين، في معاقل تتبع للحكومة الجديدة في كل من إدلب وحمص وحلب ودمشق. ومع تحرّك القوافل المدرعة باتجاه غرب سوريا، ارتفعت هتافات الميليشيات ليلاً مردّدة “سُنّة، سُنّة”، إلى جانب شعارات منسّقة تدعو إلى “ذبح العلويين”، وذلك بحسب مقاطع فيديو تحقّقت منها وكالة “رويترز”.
وأضاف التقرير أن “عددًا من هذه المقاطع أظهر مقاتلين وهم يذلّون رجالًا من الطائفة العلوية، بينما كشفت مقاطع أخرى، صُوّر بعضها من قبل المقاتلين أنفسهم، أكوامًا من الجثث المضرجة بالدماء”.
وأشار التقرير إلى أن الحكومة السورية، بما في ذلك وزارة الدفاع ومكتب رئاسة الجمهورية، لم ترد على الملخّص التفصيلي للنتائج التي توصل إليها التقرير، كما لم تُجب على الأسئلة التي وجهتها “رويترز” بشأن دور القوات الحكومية في هذه المجازر.
كذلك لم تتمكن الوكالة من الحصول على رد رسمي من معظم هذه الفصائل، في حين نفى بعض قادتها، مثل محمد الجاسم قائد “فرقة السلطان سليمان شاه”، أي تورط في الأحداث، وصرح لرويترز بأنه نُقل إلى مستشفى في تركيا لأسباب صحية عند اندلاع القتال. “ولم تتمكن (رويترز) من تأكيد مكان الجاسم أثناء المجازر”.
و”تحدثت (رويترز) مع أكثر من 200 شخصًا من عائلات الضحايا خلال زيارات لمواقع المجازر وعبر الهاتف، ومع 40 مسؤولًا أمنيًا ومقاتلين وقياديين، بالإضافة إلى محققين ووسطاء عيّنتهم الحكومة.” كما اطلعت على محادثات عبر تطبيق “تلجرام/تلغرام” أنشأها مسؤول في وزارة الدفاع لتنسيق رد الحكومة على التحركات التي قام بها عناصر النظام السابق. وتفحّصت الوكالة عشرات التسجيلات المصورة، وحصلت على لقطات من كاميرات المراقبة، وراجعت قوائم مكتوبة بخط اليد بأسماء الضحايا، من وجهاء تلك المناطق وشهود عيان.
وبحسب”رويترز” أن عمليات القتل لم تتوقف كليًا، وأن عددًا من القرى أُخلي من سكانه خلال الأسابيع الأخيرة، مشيرة إلى أن آلاف المدنيين لجأوا إلى منشآت تابعة للقوات الروسية خشية تجدد أعمال العنف.
وأضاف التحقيق أن بعض قادة الفصائل المتهمة تلقوا ترقيات بعد تلك الأحداث، وهو ما قد يثير تساؤلات عن آليات المحاسبة.
لجنة لتقصي الحقائق في أحداث الساحل:
عقب تلك الأحداث التي شهدتها مناطق الساحل، أصدر الرئيس السوري للمرحلة الانتقالية، أحمد الشرع، لجنة لتقصي الحقائق، لبحث الأسباب التي أدت لاندلاع الأحداث وما تبعها من انتهاكات وقتل للمدنيين وعناصر الأمن العام، وحدد حينها عملها بشهر واحد.
ولم تعلن اللجنة عن نتائجها بعد المدة المذكورة، ما دفع الرئيس السوري، إلى تمديد عملها، منذ 10 من نيسان الماضي، وحتى ثلاثة أشهر، مشترطًا عدم تجديد المدة.
وصرح ياسر فرحان، المتحدث باسم اللجنة، لـ”رويترز” أن الرئيس الشرع سيستلم نتائجها خلال أسبوعين، حيث تقوم اللجنة حاليًا بتحليل المعلومات وإعداد تقريرها النهائي بناءً على شهادات ومعلومات جُمعت من أكثر من ألف شخص، بالإضافة إلى إحاطات من مسؤولين واستجوابات للمعتقلين. “نحن غير قادرين على تقديم أي ردود قبل الانتهاء من هذه العملية احترامًا لنزاهة الحقيقة“، مضيفًا “أتوقع أن تجدوا النتائج مفيدة، وأنها تكشف الحقيقة“.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن الاتحاد الأوربي وبتاريخ 28 أيار/ مايو، وعلى خلفية الأحداث التي وقعت في الساحل، قد فرض عقوبات على كل من محمد حسين الجاسم، الملقب بـ”أبو عمشة”، وسيف بولاد (أبو بكر) قائد فرقة “الحمزات”.
والفصيلين التابعين للجاسم وبولاد وهما “لواء السلطان سليمان شاه”، والمعروف باسم فصيل “العمشات”، و”فرقة الحمزة”، والمعروفة باسم فصيل “الحمزات”، في قائمة العقوبات، إضافة إلى فصيل آخر، هو “فرقة السلطان مراد”، واستثنى القرار الأوروبي قائده فهيم عيسى الذي يشغل منصب معاون وزير الدفاع حاليًا، من تلك العقوبات.