في عصر التكنولوجيا الحديثة، أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي جزءًا لا يتجزأ من حياة الأفراد، لكنها في الوقت نفسه تحولت إلى بيئة خصبة لارتكاب العديد من الجرائم المعلوماتية، ومنها جريمة المساس بالحشمة أو الحياء، والابتزاز الإلكتروني عبر نشر أو التهديد بنشر محتوى خاص ذي طابع غير أخلاقي.

وغالبًا ما يحصل الجناة على هذه المواد من خلال القرصنة، أو اختراق الأجهزة الإلكترونية، أو حتى عبر تلقي الصور والمقاطع من الضحايا أنفسهم برضاهم أو تحت الإكراه، ثم استغلالها للابتزاز المادي أو المعنوي.

في سوريا تعتبر “جريمة المساس بالحشمة” والابتزاز الالكتروني من أبرز الجرائم التي يتعرض لها مستخدمو الانترنت، حيث بلغ عدد الدعاوى أكثر من 30% من اجمالي عدد الدعاوى المسجلة المتعلقة بالجرائم المعلوماتية.[1] ويُعزى ذلك إلى قلة الوعي بأساليب الحماية الالكترونية، ونقص الوعي القانوني، ونتيجة للظروف الاقتصادية الصعبة التي عانى منها الشعب السوري خلال سنوات الحرب وبحثهم عن العمل وعن مصدر للمال مما أوقعهم فريسة سهلة للمبتزين[2] على شبكات التواصل الاجتماعي، الذين يستدرجون ضحاياهم بحجة فرص التوظيف، ولا سيما الفتيات القاصرات اللواتي أصبحن عرضة للاستغلال بكافة أشكاله.

وتنعكس آثار هذه الجريمة بشكل خطير على المجتمع، فتؤدي إلى اضطرابات نفسية حادة لدى الضحايا، وتؤثر سلبًا على تحصيلهم الدراسي أو أدائهم العملي، وقد تتسبب في ارتفاع نسب الطلاق، أو جرائم القتل بدافع “اتقاء العار”، أو حتى حالات الانتحار خوفًا من الفضيحة.[3]

كيف تتحقق الجريمة وفقاً للقانون السوري:

وفقاً للمادة 26 من قانون الجرائم المعلوماتية السوري رقم 20 لعام 2022 وتعليماته التنفيذية تتحقق هذه الجريمة في صورتين:

الصورة الأولى: عند قيام الفاعل بمعالجة صورة ثابتة أو متحركة (فيديو أو محادثة أو تسجيل صوتي عائد لأحد الناس) من خلال تحويرها أو قصها أو تشويهها باستخدام إحدى وسائل تقانة المعلومات أو أحد برامج معالجة الصور مثل (فوتوشوب) لتصبح منافية للآداب العامة أو الحشمة أو الحياء. ومن ثم قيام الفاعل بما يلي: إرسالها للضحية أو للغير عبر الشبكة أو عرضها عليه أو على أشخاص آخرين عبر حاسوبه الخاص أو جهازه الخليوي، أو تهديده بنشرها عبر الشبكة. ومن إحدى صور القيام بهذه الجريمة قيام شخص ما بقص جسد شخص ما بوضع مناف للحشمة والحياء ووضع بدال عنها صورة لرأس شخص ما لتصبح الصورة منافية للحشمة والحياء. وقد فرض المشرع السوري على هذه الجريمة عقوبة الحبس لمدة تتراوح بين ال 6 أشهر حتى السنة والغرامة بمبلغ يتراوح بين مليون الى مليوني ليرة سورية، وقد شدد المشرع العقوبة لتصبح الحبس من سنة إلى سنتين وغرامة من مليوني ليرة سورية إلى ثلاثة ملايين ليرة سورية إذا قام الفاعل بنشرها على الشبكة.

الصورة الثانية: وهو أحد صور الابتزاز الإلكتروني أيضاً من خلال التهديد بالنشر على الشبكة لصور ثابتة أو متحركة أو محادثات أو تسجيلات صوتية تم تسجيلها لصاحبها الأصلي باستخدام إحدى وسائل تقانة المعلومات وهو بوضع منافي للآداب العامة أو الحشمة أو الحياء ولو تم الحصول عليها برضاه وقام الفاعل بأحد الأفعال التالية: هدد بنشرها على الشبكة، أو نشرها على الشبكة. مثال: قيام شخص ما بالحصول على صور منافية للحشمة أو الحياء لشخص ما عبر الشبكة، ولو حصل عليها برضاه، وبدأ بتهديد صاحبها الأصلي لدفع مبلغ مالي كي لا يقوم بنشرها على الشبكة. ويتم التشديد بالعقوبة إذا وقع الجرم على قاصر لم يتم 18من عمره، لحماية خصوصيته وكرامته.  وقد فرض المشرع السوري عقوبة الحبس من سنتين إلى ثلاث سنوات والغرامة من ثلاثة ملايين ليرة إلى أربعة ملايين ليرة سورية على كل من هدد بالنشر أو نشر على الشبكة صوراً أو فيديوهات أو محادثات أو تسجيلات صوتية منافية للحشمة أو الحياء عائدة لأحد الناس ولو حصل عليها برضاه، وتشدّد العقوبة لتصبح السجن المؤقت من خمس سنوات إلى سبع سنوات والغرامة من أربعة ملايين إلى خمسة ملايين ليرة سورية إذا وقع الجرم على قاصر

الأسباب التي تدفع الضحايا لعدم تقديم الشكوى:

هناك العديد من الأسباب التي تمنع ضحايا العنف الرقمي في سوريا من الإبلاغ عن الجرائم، فهناك الكثيرون ممن يتعرضون للابتزاز مع ذلك يرفضون تقديم بلاغات أو شكاوى للقضاء، إما بسبب الخوف من الوصمة الاجتماعية، أو من انتقام المبتز او تصرف غير محسوب العواقب، أو لعدم الثقة في النظام القانوني والقضائي، واحياناً بسبب قلة الوعي القانوني.

طريقة تقديم الشكوى:

بداية يجب التوقف الفوري عن التواصل مع المبتز فكل حوار أو تفاوض يُعزز من سيطرته، وعدم الرضوخ لمطالبه، كإرسال مبالغ ماليّة أو إرسال صور أو فيديوهات ويحب تغيير جميع كلمات السر الخاصة بالمجني عليه خاصةً إذا كان الابتزاز قد تم عبر اختراق الحساب الشخصي، كما يجب الاحتفاظ بجميع الأدلة التي تُدينه بدقة من خلال صور الشاشات (سكرين شوت) كالرسائل والصور والاتصالات ومقاطع الفيديو التي استخدمها المبتز في التهديد، رابط الصفحة التي يتواصل منها المبتز..  ومن ثم بإمكان المجني عليه/ا تقديم معروض إلى النيابة العامة أو توكيل محام ليقوم بتقديم الشكوى نيابة عنه/ا وتقوم النيابة العامة بتحويل الشكوى إلى فرع مكافحة الجرائم المعلوماتية[4] الذي يقوم بتعقب الجاني ومن ثم إحالته إلى المحكمة المختصة.

خاتمة وتوصيات:

يتضح مما سبق أن الابتزاز الإلكتروني جريمة بالغة الخطورة، ولا يمكن الحد من آثارها إلا من خلال تعاون فعال بين الأفراد والمجتمع والسلطات المختصة، عبر نشر الوعي، وتعزيز الثقافة الرقمية، وتطوير التشريعات وتفعيلها.

وللوقاية من هذه الجريمة، ينبغي اتباع أعلى معايير حماية البيانات والمعلومات الشخصية، وتجنب قبول طلبات الصداقة من أشخاص مجهولين، والحذر من مواقع وتطبيقات التعارف أو العروض الوهمية للجوائز وفرص العمل، إذ غالبًا ما تشكل هذه الوسائل مدخلًا لاستدراج الضحايا.

كما أن للوالدين دورًا محوريًا في متابعة نشاط أبنائهم على الإنترنت، والتعرف على صداقاتهم والمحتوى الذي يشاركونه، إلى جانب تعزيز التواصل الأسري والرقابة الإيجابية.

وعلى الصعيد القانوني، يتعين على الجهات المختصة ضمان حماية الضحايا وتشجيعهم على التقدم بالشكوى، من خلال إتاحة جلسات محاكمة سرية للراغبين بها، وحماية خصوصيتهم، وإنشاء مراكز دعم نفسي تساعدهم على تجاوز الآثار النفسية والاجتماعية للابتزاز.

أما على المستوى الأسري، فيجب كسر حاجز الخوف، وتجنب إلقاء اللوم على الضحية، ومساندتها في اتخاذ الإجراءات القانونية وعدم الخضوع لمطالب المبتز. فالتكتم على الأمر أو محاولة حله بشكل فردي يفاقم المشكلة، ويمنح المبتز مساحة أكبر للسيطرة، خاصة في ظل جهل الضحايا بآليات الحماية، وخوفهم من نظرة المجتمع أو ردة فعله.

[1] وفقاً لقاضي التحقيق بجرائم المعلوماتية في دمشق “زمن عبد الله” في تصريح لـ سانا نشر بتاريخ 2023-01-30 متوفرعلى الرابط التالي https://www.sana.sy/?p=1827859 ، اخر زيارة للرابط بتاريخ 12/8/2025

[2] مقال على موقع تلفزيون سوريا نشر بتاريخ 2023.01.10  متوفر على الرابط التالي https://www.syria.tv/%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A-%D9%8A%D8%B3%D8%AA%D8%BA%D9%84-%D8%A5%D8%AA%D9%82%D8%A7%D9%86%D9%87-%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B1%D9%86%D8%B3%D9%8A%D8%A9-%D9%88%D9%8A%D8%A8%D8%AA%D8%B2-%D9%81%D8%AA%D9%8A%D8%A7%D8%AA-%D8%A8%D8%A7%D8%B3%D9%85-%D8%B4%D8%B1%D9%83%D8%A9-%D8%B9%D8%B1%D9%88%D8%B6-%D8%A3%D8%B2%D9%8A%D8%A7%D8%A1-%D9%88%D9%87%D9%85%D9%8A%D8%A9 ، اخر زيارة للرابط بتاريخ 12/8/2025

[3] مقال نشر على موقع صالون سوريا بتاريخ 20/ 8/ 2022 متوفر على الرابط التالي https://www.salonsyria.com/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%A8%D8%AA%D8%B2%D8%A7%D8%B2-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%AA%D8%B1%D9%88%D9%86%D9%8A-%D9%85%D8%AD%D8%B1%D9%91%D9%83-%D8%AD%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AA-%D8%B7%D9%84%D8%A7%D9%82/ ، اخر زيارة للرابط  بتاريخ 12/8/2025 .

[4] المادة 38 من قانون الجرائم المعلوماتية السوري.