بعد مرور ما يقارب 5 أشهر على أحداث الساحل، أصدرت لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا، التابعة للأمم المتحدة، في 14 من آب/أغسطس 2025، تقريرها حول “الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي ارتكبت ضد السكان المدنيين، والتي استهدفت في المقام الأول المجتمعات العلوية، بدءًا من كانون الثاني/ يناير 2025 بما في ذلك سلسلة من المجازر التي وقعت في آذار/ مارس 2025 في الساحل وغرب وسط سوريا“.
ووجدت اللجنة أن “الانتهاكات، بما في ذلك الأفعال التي من المحتمل أن ترقى إلى جرائم، بما في ذلك جرائم حرب، ارتكبها كل من المقاتلين المؤيدين للحكومة السابقة وأفراد الحكومة المؤقتة، وكذلك أفراد عاديون. وشملت هذه الأفعال القتل والتعذيب والاختطاف والأفعال اللاإنسانية المتعلقة بمعاملة الموتى، فضلاً عن النهب وتدمير الممتلكات”.
وبحسب التقرير كانت مناطق الساحل وغرب وسط سوريا، تشهد توترًا منذ سقوط الحكومة السابقة، “حيث وقعت حوادث عنف متفرقة، بما في ذلك إعدام مدنيين في كانون الثاني/ يناير، إلى جانب تقارير متكررة عن عمليات قتل انتقامية. وكان العنف الذي اندلع في آذار/مارس ناجمًا بشكل مباشر عن عملية اعتقال شنتها السلطات المؤقتة في 6 آذار/ مارس، والتي رد عليها ما يسمى بـ “فلول” الحكومة السابقة بالقبض على مئات من أفراد القوات الحكومية المؤقتة وقتلهم وإصابتهم. وأفادت التقارير بمقتل حوالي 1400 شخص، وأغلبهم من المدنيين بما في ذلك 100 امرأة. ومعظمهم لقي حتفه في مجازر وقعت في منطقة جغرافية واسعة، إلى جانب أنواع أخرى من العنف والنهب والحرق والتشريد”، وفق ما ورد في تقرير اللجنة.
وبين تقرير اللجنة “أن أنماط العنف المتكررة ضد المدنيين بما في ذلك الاستهداف على أساس الانتماء الديني والعمر والجنس، وإخراج الأفراد من منازلهم وإعدام مجموعات من الناس بشكل جماعي، إلى جانب الإحالة المتكررة لقررات قتل الأفراد أو الإبقاء عليهم إلى قادة وحداتهم أو جماعاتهم، هذه الأعمال لم تكن عشوائية أو منعزلة”.
وبحسب تقرير اللجنة في الفقرة “74” “قتل أفراد الأسرة من الرجال أثناء عمليات قتل انتقلت من منزل إلى منزل، مما قد يشير إلى عمليات استهدفتهم كمجموعة وليس عملية ضد فلول فردية. ووفقًا لأفراد العائلات، كان معظم الضحايا يعملون في مهن مدنية. كما قتل معظم الضحايا في الغالب في الأحياء العلوية الواقعة في القرى المختلطة أو في المناطق التي يعرف أن الأقلية العلوية تقيم فيها في الغالب، مما يشير إلى استهداف بدوافع طائفية، إلى جانب دوافع انتقامية محتملة تتعلق بالانتماء السياسي المتصور أو الخدمة العسكرية الإلزامية سابقًا”.
وبيّن التقرير تورط مقاتلين أجانب، ووفقًا للفقرة “88” ذكر أن اللجنة وجدت أيضًا أن “أعضاء بعض فصائل قوات الأمن التابع للحكومة المؤقتة، بما في ذلك على سبيل المثال لا الحصر الفرقة 62 التي كانت تعرف سابقاً باسم لواء السلطان سليمان شاه التابع للجيش الوطني السوري، والمعروف أيضًا باسم العمشات، والفرقة 76 (المعروفة سابقًا باسم فرقة الحمزة التابعة للجيش السوري الوطني والمعروفة أيضاً باسم فصيل حمزة)، وأحرار الشام والفرقة 400 التي تتألف من ألوية سابقة تابعة لهيئة تحرير الشام، شاركوا في عمليات قتل خارج نطاق القضاء وتعذيب وسوء معاملة السكان المدنيين في القرى ذات الأغلبية العلوية بشكل منهجي وواسع النطاق”.
وفي الفقرة “89” قالت اللجنة إنه اتضح لها أن “العديد من عناصر القوات الحكومة المؤقتة لم تشارك في الأعمال التي قامت بها الجماعات المذكورة في الفقرة السابقة ولم تتغاض عنها، بل على العكس من ذلك، فقد وثقت اللجنة جهودهم النشطة لإجلاء أو حماية بعض السكان والأفراد. ومع ذلك، فمن المعقول الاستنتاج أن بعض عناصر الفصائل المسلحة التابعة للحكومة، وربما بعض المدنيين كانوا على علم بالطبيعة الواسعة النطاق والمنهجية للعنف، وشاركوا بأنفسهم في أعمال عنف شديدة مع علمهم بذلك”.
أكثر من 200 مقابلة مع ضحايا وشهود:
واستندت نتائج اللجنة إلى تحقيقات مكثفة، شملت أكثر من 200 مقابلة مع ضحايا وشهود. “وأرسلت اللجنة بعثة إلى المناطق الساحلية في حزيران/يونيو 2025، بفضل الحكومة المؤقتة التي منحت إمكانية الوصول وقامت بتيسير الزيارة”، ” ومنح فريق اللجنة إمكانية الوصول من دون قيود إلى المناطق الساحلية”، بحسب الفقرة “4” من التقرير.
وفي الفقرة “81” من التقرير قالت اللجنة إنه “في وقت وضع اللمسات الأخيرة على هذا التقرير كانت اللجنة لا تزال تتلقى معلومات عن استمرار انتهاكات في العديد من المناطق المتضررة، بما في ذلك استمرار أعمال انهب وانتهاكات السكن والأراضي والممتلكات، فضلًا عن عمليات الاختطاف والاعتقالات التعسفية والاختفاء القسري. واستمر كذلك التحرش والتهديد والضرب والشتم الطائفي وإهانة الرجال من الطائفية العلوية في مدينة جبلة وأحياء مدينة اللاذقية”.
وأضاف التقرير في الفقرة “1”، “وقد أدت عمليات القتل والعنف والنهب والتهجير وحرق المنازل التي وقعت حينها ــ والتي تم تصوير بعضها ونشرها على وسائل التواصل الاجتماعي، إلى جانب لقطات لمدنيين يتعرضون للتعذيب والإذلال ــ إلى تعميق الانقسامات القائمة بين الطوائف، مما ساهم في خلق مناخ من الخوف وانعدام الأمان بين العديد من السوريين في جميع أنحاء البلاد”.
كما أوضح التقرير بحسب الفقرة “29”، أن شبكات التواصل الاجتماعي غذت “الطائفية وخطاب الكراهية، بما في ذلك من خلال نشر معلومات كاذبة وخطاب كراهية والتحريض ضد العلويين في منشورات قيل إن مصدرها في كثير من الأحيان جاء من الخارج”.
وذكر التقرير في الفقرة “63” أنه “ووفق شهود، وفي خلال ليلة 6 آذار/مارس إلى غاية أولى ساعات 7 آذار/مارس، انتشرت دعوات للحشد الديني والنفير العام على نطاق واسع على مواقع التواصل الاجتماعي وكذلك عبر مكبرات الصوت في المساجد في عدة مدن، بما في ذلك في حماة وحمص واللاذقية وبانياس وجبلة وحلب. إن مثل هذه الدعوات، المشحونة بالخطاب الطائفي، بدت وكأنها موجهة ضد السكان العلويين بشكل عام، ويبدو أن الكثيرين فهموها على أنها دعوة دينية للتعبئة تتطلب تحركًا فوريًا بدلًا من كونها دعوة تقليدية للتجنيد العسكري”.
“وثقت اللجنة استخدام لغة مهينة ضد النساء، وتهديدات بالاختطاف والزواج القسري من قبل أعضاء الفصائل المسلحة، في الأيام التي سبقت أحداث آذار/مارس وخلالها. “وخلال الأحداث أشار بعض الرجال المسلحين إلى النساء العلويات بأنهن عبيد وغنائم حرب أو أمرن بالذهاب إلى إدلب للاستعداد للجهاد لاسيما في أعقاب الحوادث التي أعدم فيها العديد من أفراد الأسرة الذكور “.
وفي الفقرة “81” قالت اللجنة: “أبلغت بعض النساء العلويات اللجنة أنهن شعرنَ أنهن مجبرات على ارتداء الحجاب لإخفاء انتمائهن الطائفي ومنع أي تحرش أو ترهيب. وتؤدي هذه الانتهاكات، والخوف من وقوع المزيد منها، إلى مزيد من النزوح مما يؤثر على الناجيين من أحداث آذار/مارس، وكذلك على أفراد آخرين من الأقلية العلوية الذين فر العديد منهم إلى مناطق أخرى من سوريا أو لجأوا إلى الخارج” .
ولخص التقرير أيضًا، النتائج الوقائعية التي توصلت إليها اللجنة فيما يتعلق بحوادث محددة تم التحقيق فيها في سياق أعمال عنف واسعة النطاق شهدتها المناطق الساحلية، ووسط غرب سوريا في آذار / مارس 2025 والتي أثرت على المدنيين في 16 موقعًا مختلفًا، وفيما يتعلق بحوادث محددة أثرت على المدنيين خلال عمليات التمشيط في أربعة مواقع في حمص وحماة في الفترة الممتدة من كانون الثاني /يناير إلى آذار/مارس 2025.
وبحسب اللجنة، “ينبغي أن تكون ضمانات عدم تكرار الانتهاكات في صلب العملية الانتقالية في سوريا، ليس فقط كالتزام قانوني، بل كأساس ضروري للسلام والمصالحة ومستقبل مبني على الحقوق والمساواة والكرامة للجميع، وتؤكد الأحداث الموصوفة على الحاجة إلى نهج شامل للعدالة والمساءلة لكسر دائرة العنف في البلاد”.
“وبالتالي فإن النظام القضائي الناشئ وهيئات العدالة الانتقالية في سوريا ستحتاج إلى النظر ليس فقط في أحداث آذار/مارس ، ولكن أيضاً في الطيف الكامل من الانتهاكات السابقة لتجنب استبعاد أي مجموعة من الضحايا”، بحسب التقرير.
توصيات اللجنة إلى السلطات الانتقالية السورية:
كررت اللجنة توصياتها التي طالما قدمتها للجمهورية العربية السورية بالتصديق على نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية إلى جانب الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري والبروتوكول الاختياري لاتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة.
كما رحبت اللجنة بتشكيل الهيئة الوطنية المعنية بالعدالة الانتقالية والهيئة الوطنية المعنية بالمفقودين المنشأتين حديثاً موضحة أنها تتطلع إلى التعاون معهما من خلال الاستفادة من الكم الهائل من المواد التي جمعتها اللجنة منذ عام 2011.
وأوصت اللجنة الهيئتان الجديدتان عدة توصيات منها ضمان إجراء مشاورات مبكرة ومستدامة مع الناجين والعائلات والمجتمع المدني السوري والمنظمات غير الحكومية عند وضع استراتيجياتها.
وضمان حصول جميع الضحايا والناجين على فرص متساوية للوصول إلى العدالة والإنصاف، وتوفير مساحة للمصالحة إلى جانب العدالة الجزائية من خلال مراعاة استراتيجيات العدالة الجنائية وغير الجنائية للجرائم والانتهاكات الماضية والحالية.
وتجدر الإشارة إلى أن لجنة التحقيق الدولية المستقلة حول سوريا COI، أُنشئت بموجب قرار مجلس حقوق الإنسان رقم 1/17 الصادر في 22 آب/ أغسطس 2011، وتتمثل ولايتها في “التحقيق في جميع الانتهاكات المزعومة للقانون الدولي لحقوق الإنسان المرتكبة في سوريا منذ آذار/مارس 2011، والوقوف على الحقائق والظروف التي قد ترقى إلى هذه الانتهاكات والجرائم وتحديد المسؤولين عنها حيثما أمكن، بهدف ضمان مساءلة مرتكبيها، بما فيها تلك التي قد تشكل جرائم ضد الإنسانية”.