أحداث دامية شهدتها محافظة السويداء إثر عمليات اختطاف متبادلة بين فصائل محلية وعشائر من البدو، سرعان ما تحوّلت إلى اشتباكات دموية. وبحسب تقرير لمنظمة هيومن رايتس ووتش “بدأت الاشتباكات الأخيرة في 12 يوليو/تموز 2025، بقتال عنيف بين ميليشيات موالية للشيخ حكمت الهجري، الزعيم الروحي للطائفة الدرزية في السويداء، ومقاتلين من البدو موالين للحكومة بقيادة أحمد الشرع. مع انتشار العنف، أعلنت الحكومة السورية أنها ستتدخل، ونشرت وحدات من وزارتي الداخلية والدفاع وفرضت حظر تجول في 14 يوليو/تموز”.

وأضافت المنظمة أنه “بينما زعمت السلطات أن نشر القوات يهدف إلى إحلال النظام، أفاد السكان بوقوع أعمال نهب وحرق منازل واعتداءات طائفية وإعدامات تعسفية، شملت نساء وأطفال. كما تورطت عشائر البدو المسلحة والميليشيات الدرزية في انتهاكات جسيمة”.

وتدخلت إسرائيل على خط الصراع، لتقصف نقاط تابعة للسلطات المؤقتة الموجودة داخل السويداء وخارجها، أبرزها مقر الأركان في العاصمة دمشق، وفي 16 يوليو/تموز، توسطت الولايات المتحدة في وقف إطلاق النار انسحبت بموجبه قوات السلطات المؤقتة من السويداء، وسلمت الحكم المحلي والأمن إلى الهياكل التي يقودها الدروز بقيادة الشيخ الهجري، “مما أعاد فعليا الحكم الذاتي غير الرسمي للمحافظة”، بحسب تقرير هيومن رايتس ووتش.

وعقب وقف إطلاق النار في 16 يوليو/تموز، احتشد آلاف المقاتلين من بدو العشائر من مختلف أنحاء سوريا نحو السويداء بعد أن أفادت وسائل إعلام حكومية عن هجمات انتقامية شنها مقاتلو الهجري على مدنيين بدو. يبدو أن السلطات لم تبذل أي جهد لمنع تحركهم، بحسب الـ”ووتش“.

ويذكر أن أرتال العشائر السنّية، التي توافدت إلى السويداء ضمن ما يُعرف بـ”فزعة العشائر العربية”، مرّت على الحواجز الأمنية والعسكرية التابعة للحكومة.

وفي  19 يوليو/ تموز قال المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا، توماس براك، إن إسرائيل وسوريا اتفقتا على وقف إطلاق النار، وأضاف  “ندعو الدروز والبدو والسنة إلى إلقاء أسلحتهم، والعمل مع الأقليات الأخرى على بناء هوية سورية جديدة وموحدة، في سلام وازدهار مع جيرانها”.

وعود بالمحاسبة:

بعد انتشار مقاطع مصورة تداولها ناشطون، تظهر عمليات إعدام ميدانية بحق أشخاص لا يحملون أسلحة، من قبل أشخاص يرتدون لباس عناصر وزارة الدفاع السورية، أو عناصر الأمن العام، سارعت وزارتا الدفاع والداخلية إلى إصدار بيانات متفرقة تعِد بمحاسبة المتورطين. وأكدت وزارة الدفاع السورية في منشور لها على “الفيس بوك”، أنه “سيتم اتخاذ أقصى العقوباتِ بحق الأفراد المرتكبين للانتهاكات في مدينة السويداء، بعد التعرف عليهم”.

 وأنها تابعت تقارير حول انتهاكات “صادمة وجسيمة” ارتكبتها مجموعة قالت إنها غير معروفة ترتدي الزي العسكري. وفي منشور منفصل على منصة “فيس بوك” قالت وزارة الدفاع “بناءً على التعميمات الصارمة التي أصدرتها الوزارة بعدم دخول أي تشكيلات غير تابعة لها إلى منطقة العمليات العسكرية، تم تشكيل لجنةٍ لمتابعة الانتهاكات التي حصلت في مدينة السويداء، والتحقيق في تبعية وخلفية الأفراد المرتكبين لها.

ووعدت الوزارة باتخاذ “أقصى العقوبات” بحق الأفراد المرتكبين للانتهاكات في السويداء، بعد التعرف عليهم، حتى لو كانوا منتسبين إلى تشكيلات الدفاع، بمتابعة مباشرة من الوزير، مرهف أبو قصرة.

وفي منشور  على الصفحة الرسمية لوزارة الدفاع على الفيس بوك ذكرت إدارة الإعلام والاتصال في الوزارة بأن “وزير الدفاع اللواء المهندس مرهف أبو قصرة سيتابع تحقيقاتِ لجنة الانتهاكات العسكرية بشكلٍ مباشر”.

وأدانت وزارة الداخلية، المقاطع المتداولة التي أظهرت تنفيذ الإعدامات من قبل أشخاص وصفتهم بـ”مجهولي الهوية”. معتبرة أن هذه الأفعال تمثّل “جرائم خطيرة يُعاقب عليها القانون أشد العقوبات”. وأوضحت أن الجهات المختصة باشرت تحقيقًا عاجلًا لتحديد هوية المتورطين في عمليات الإعدام، والعمل على ملاحقتهم والقبض عليهم.

اختلاف الطرح الرسمي يسبق تشكيل اللجنة:

قبل إعلان تشكيل اللجنة رسميًا من قبل وزارة العدل، صدرت بيانات متفرقة من وزارتي الداخلية والدفاع، حملت إشارات متباينة حول طبيعة التحقيق والجهة المسؤولة عنه. فقط تحدثت وزارة الداخلية عن “جهات مختصة” باشرت التحقيق، دون تحديد هويتها، بينما أعلنت وزارة الدفاع عن “لجنة للانتهاكات العسكرية” سيتابعها الوزير بشكل مباشر.

وبعد أيام، صدر القرار رقم 1287 عن وزارة العدل، مُعلنًا تشكيل لجنة للتحقيق في أحداث السويداء الأخيرة، تتولى كشف الملابسات ومحاسبة المتورطين خلال مدة لا تتجاوز ثلاثة أشهر، هذا التفاوت في الخطاب الرسمي يثير التساؤلات حول وحدة المسار وآلية المحاسبة، ويعكس في الوقت ذاته ضعف التنسيق بين الجهات الحكومية. كما يطرح تساؤلًا عمّا إذا كان قرار وزارة العدل قد ألغى فعليًا اللجان التي تحدثت عنها وزارتا الداخلية والدفاع، والتي لم يُعلن عنها بشكل رسمي، واكتفت الوزارتان بالإشارة إليها في بيانات أو منشورات متفرقة. مما يجعل من الضروري ضمان وضوح المهام وتنسيقها في المرحلة المقبلة.

وفي بيان إلى الرأي العام والمجتمع الدولي، (تلقت مشاركة من أجل العدالة نسخة عنه) أعلنت مجموعة من أبناء وبنات محافظة السويداء، وأهالي الضحايا والمكلومين/ات، ونشطاء/ات سوريين/ات داخل سوريا وفي بلاد المهجر، ومنظمات مجتمع مدني، وفعاليات مدنية سوريّة، عن رفضهم لمحاولات السلطات الانتقالية، متمثلة بوزارة الدفاع أو أي جهة أخرى معيّنة من السلطة التنفيذية، في التحقيق بالانتهاكات التي وقعت في محافظة السويداء.

وطالب البيان بشكل واضح أنّ تقوم هيئة قضائية مستقلة ولجنة التحقيق الدولية المستقلة حول سوريا –  والآلية الدولية المحايدة والمستقلة، بعملية التحقيق في جميع انتهاكات حقوق الإنسان وجرائم الحرب والجرائم ضدّ الإنسانية التي وقعت في المحافظة، وقبلها تلك التي وقعت في منطقة جرمانا وصحنايا وأشرفية صحنايا.

كما طالب البيان إلزام السلطات الانتقالية السورية بضمان الوصول الآمن والفوري لتلك الهيئات إلى مناطق الأحداث بدون أي معوقات، رافضين إشراك السلطات الانتقالية أو من يمثلها بأي تحقيق، لأنها الجهة المسؤولة عن الانتهاكات التي وقعت ولا يمكن أن تكون طرفاً حيادياً مقبولاً من قبل الضحايا وذويهم، بحسب البيان.

حتى لا تتكرّر تجربة لجنة الساحل: توصيات لضمان لجنة أكثر فاعلية وشفافية في السويداء:

لضمان أن تكون هذه اللجنة ذات مصداقية وتحظى بثقة المجتمع المحلي والدولي، ومنع تكرار تجربة لجنة الساحل السابقة التي واجهت انتقادات واسعة، لا بد من الالتزام بالتوصيات التالية:

مشاركة أممية فاعلة: يجب أن تشارك المؤسسات الأممية والمعنية بالشأن السوري، ذات الخبرة في التحقيقات المتعلقة بالانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، وذلك لتعزيز مصداقية التحقيقات والاستفادة من خبراتها. بما في ذلك “لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا“، التي تم إنشاؤها بموجب قرار مجلس حقوق الإنسان رقم 1/17 الصادر في 22 آب/ أغسطس 2011، والتي تتمثل ولايتها في التحقيق في جميع الانتهاكات المزعومة للقانون الدولي لحقوق الإنسان المرتكبة في سوريا منذ آذار/مارس 2011، والوقوف على الحقائق والظروف التي قد ترقى إلى هذه الانتهاكات والجرائم، وتحديد المسؤولين عنها حيثما أمكن، بهدف ضمان مساءلة مرتكبي هذه الانتهاكات، بما فيها تلك التي قد تشكل جرائم ضد الإنسانية.

إشراك ممثلي الضحايا وأسرهم: من المهم ان يكون لأسر الضحايا والناجين/ات، وكذلك لممثلي المجتمع المحلي دور استشاري فعلي في عمل اللجنة، لأن ذلك سيعزز الثقة بالتحقيق، ويجعل نتائجه أقرب إلى العدالة التي تستجيب لآلام الناس وتطلعاتهم.

الشفافية الكاملة: يجب أن يكون الرأي العام على اطلاع واضح على عمل اللجنة منذ اللحظة الأولى، ويجب أن تُمنح اللجنة صلاحيات حقيقية للوصول إلى الأدلة، واستدعاء الشهود، والتعاون مع جهات محلية ودولية، ونشر نتائج التحقيق دون تدخل أو رقابة من أي جهة أمنية أو عسكرية.

رقابة مدنية مستقلة: يجب أن يُمنح المجتمع المدني دورًا رقابيًا واضحًا على عمل اللجنة، من خلال السماح لمؤسسات حقوقية مستقلة بمتابعة عملها والمساهمة في مراجعة نتائجها.

إعلان علني للنتائج: يجب أن تصدر اللجنة تقارير مفصلة وعلنية، تُبيّن الوقائع وتُحدّد المسؤوليات، وتضع توصيات واضحة للمحاسبة، استنادًا إلى القوانين الوطنية والمعايير الدولية.

حماية الشهود والمبلّغين: أن تُوفَّر اللجنة ضمانات قانونية وأمنية حقيقية لحماية الشهود والضحايا وكل من يُدلي بشهادته أو يُقدّم معلومات، من أي شكل من أشكال الانتقام أو الضغط.