منذ بداية الحراك الشعبي في سوريا عام 2011 تسلّحت الحكومة السورية السابقة بمجموعة من القوانين والمراسيم لتكون عوناً له في قمع المعارضين ومواجهة الاحتقان الشعبي الناتج عن التدهور الاقتصادي والمعيشي الذي يعانيه المدنيون. حيث لم يكتف النظــام الســوري بتوجيــه التهــم ومحاكمــة المعتقليــن وفــق قانــون العقوبات العـام فــي المـواد المتعلقــة بالجرائـم الواقعة علــى أمـن الدولة وقانـون العقوبـات العسـكري، ومرسوم احداث محكمــة الميــدان العســكرية، بـل أصـدر قانـون الإرهاب وأحـدث محكمـة جزائيـة اسـتثنائية  لقضايـا الإرهاب، كما قام بتعديل بعض المواد فـــي قانـــون العقوبات العام  بموجب القانون رقم 15 لعام 2022 بحيث عمل على توسـيع نطاق التجريم في بعض المواد المتصلة بحرية التعبير.

 ومتابعـة ً لنهـجه القمعي والهـادف الى تهميش أي مسـاحة لحرية الرأي والتعبير، أصدر النظام الســـوري السابق القانون رقم  20 لعام 2022 القاضـــي بإعادة تنظيــم القواعد القانونيـة الجزائية للجريمة المعلوماتيـة، التي تضمنها المرســوم التشــريعي رقـــم 17 للعـــام 2012 ،والذي حاول من خلاله إحكام سيطرته الكاملة على الفضاء الرقمي[1] وإلغاء أي رأي مخالف لسردية النظام، حيث تضمن عقوبات مغلّظة تفـــوق نظيراتها في قانون العقوبات لذات الأفعـــال الجرمية.

مما لاشك فيه  أن تلك القوانين تنتهك الحقوق الأساسية للإنسان، وتحمل في طياتها تهماً جاهزة وقابلة للاستخدام تحت أغراض سياسية او انتقامية. وتناقض المعايير الدولية الخاصـــة بالحريات وحريـة التعبير كالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي أكد على اعتبار حرية التعبير من الحقوق الأساسية للإنسان،  وتتعارض  أيضا مع الدســتور الســوري  لعام 2012 الـــذي ضمن حق كل مواطـــن أن يعبر عـــن رأيـه بحرية وعلنية، سـواء بالقـول، أم بالكتابـة أم بوسـائل التعبير كافة[2] .

 فالمصطلحات التي نصت عليها تلك المواد فضفاضة تحتمل التأويل والتفسير ويحيط بها الغموض والضبابية وغير محددة بتعاريف دقيقة وأركان واضحة للجريمة مادياً أو معنوياً، ونذكر منها على سبيل المثال لا الحصر، المادة 10 من القانون رقم 15 المعدلة للمادة 285 من قانون العقوبات لتصبح “المساس بالهوية الوطنية أو القومية”، بدلاً من “القيام بدعوات ترمي الى إضعاف الشعور القومي”، والمادة 11 من القانون رقم 15 لعام 2022، المعدلة للمادة 286 من قانون العقوبات العام لتصبح “بث اليأس او الضعف بين أبناء المجتمع”، بدلاً من “وهن نفسية الامة”، والمادة 13 من ذات القانون المعدلة التي أضافت للمادة 292 من قانون العقوبات فقرة ثالثة تتعلق بمعاقبة كل من يدعو بكتابة او خطاب الى اقتطاع جزء من الأرض السورية او التنازل عنها، والمواد 27 و28 و29 من قانون الجرائم المعلوماتية التي جرمت أي فعل او دعوة لتغيير الدستور بطرق غير مشروعة، دون ان تحدد الطرق المشروعة وتلك الغير مشروعة، وكذلك “النيل من هيبة الدولة”، و”النيل من مكانة الدولة المالية”، والمادة 8 من قانون مكافحة الإرهاب رقم 19 لعام 2012 التي جرمت الترويج للأعمال الإرهابية بأي وسيلة كانت.

وبذلك أفسحت نصوص تلك المواد المجال لإدانة المعتقلين بناء على تفسيرات شخصية للقانون ولأغراض سياسية قمعية، وقد أدى ذلك الى ادانات غير عادلة وإصدار أحكام تعسفية وجائرة بحقهم، كما أنها أصبحت فرصة للابتزاز بحق المعتقلين وذويهم، وقد أكدت هيومن رايتس ووتش في تقرير لها نشر بتاريخ 25 حزيران/يونيو 2013 “إن محكمة قضايا الإرهاب في سوريا تستغل الأحكام الفضفاضة لقانون مكافحة الإرهاب لإدانة نشطاء سلميين بتهمة مساعدة الإرهابيين في محاكمات تنتهك الحقوق الأساسية في الإجراءات القضائية السليمة. إذ يتم توجيه الاتهامات تحت ستار مكافحة التشدد العنيف، لكن المزاعم المأخوذة على النشطاء لا تزيد في الواقع عن أفعال من قبيل توزيع المساعدة الإنسانية والمشاركة في مظاهرات وتوثيق انتهاكات حقوق الإنسان”.

آلية تقديم الشكوى:

يمكن للمتضررين ممن صدر بحقهم أحكام تعسفية استنادا إلى المواد المذكورة وغيرها من المواد التي تم تفسيرها وتطبيقها بشكل جائر من قبل قضاة محاكم الجنايات أو القضاء العسكري أو محكمة الميدان العسكرية أو محكمة الإرهاب، أن يتقدموا بشكاوى ضدهم. عن طريق النيابة العامة أو المحامي العام كما يمكنهم اللجوء إلى هيئة العدالة الانتقالية مصطحبين ما لديهم من أدلة ومعلومات تثبت صحة ادعاءاتهم. وتجدر الاشارة الى أن وزارة العدل  دعت المواطنين الذين تعرضوا للظلم أو الابتزاز نتيجة أعمال قضاة محكمة الارهاب الى تقديم شكاويهم عبر ديوان محكمة النقض بدمشق، او بالحضور الشخصي خلال اوقات الدوام الرسمي.  ويمكن للمتضررين المقيمين في خارج البلاد تنظيم وكالة عدلية لمحام في سوريا في القنصلية السورية في بلد إقامتهم، ليقوم بتقديم الشكوى نيابة عنهم ومتابعتها[3].

خاتمة وتوصيات:

بناءً على ما تقدم، فإن الحكومة الانتقالية في سوريا مطالَبة باتخاذ خطوات تشريعية ومؤسسية جادة، تبدأ بإعادة صياغة جميع القوانين التي تتعارض مع حقوق الإنسان وحرياته الأساسية، ولا سيما تلك التي تتضمن عبارات فضفاضة أو مبهمة يمكن استخدامها أداةً لتجريم المعارضة أو تقييد الحريات. ويقتضي ذلك تحديد السلوكيات المجرَّمة على نحو واضح لا يتعارض مع الحقوق والحريات الأساسية، مثل الحق في تداول المعلومات، والدعوة السلمية لتغيير نظام الحكم، وتوجيه النقد للسلطات العامة.

كما يتوجب إلغاء المواد المتعلقة بالجرائم الماسة بأمن الدولة الواردة في قانون الجرائم المعلوماتية السوري، باعتبار أن مكانها الطبيعي هو قانون العقوبات العام ــ مع توضيح أركان تلك الجرائم وتحديد معناها بدقةــ لإن الإبقاء على هذه الازدواجية بين النصوص من شأنه أن يزيد من تعقيد التطبيق العملي، وقد يؤدي إلى صدور احكام متناقضة على الفعل الجرمي الواحد.

وفي السياق المؤسسي، يتعين على الحكومة الانتقالية الشروع في عملية شاملة لإعادة هيكلة السلطة القضائية، بما يضمن نزاهتها واستقلاليتها الكاملة. ويتطلب ذلك إبعاد القضاة المتورطين في الانتهاكات أو الفساد عن العمل القضائي، واستبعاد غير المؤهلين أو غير المتخصصين، مع تعزيز ضمانات استقلال السلك القضائي، لضمان عدم تكرار الانتهاكات مستقبلاً، وترسيخ الثقة العامة بمؤسسات العدالة.

[1] ووفق تقرير لمنظمة سوريون من أجل الحقيقة والعدالة فإن البنود والتعليمات القانونية المرتبطة بمكافحة الجرائم المعلوماتية فضفاضة وتتيح ملاحقة أي شخص ينتقد الحكومة وتشكّل خطراً على أي شخص يعبر عن رأيه في جملة يكتبها، أو رسالة يرسلها، أو حتى طرفة (دعابة) يتداولها مع أصدقائه.

[2] المادة 42 من الدستور السوري لعام 2012

[3] وفقا لمقال سابق لسوريون من أجل الحقيقة والعدالة  – مشاركة من أجل العدالة- متوفر على الرابط التالي https://share4justice.org/%d8%b3%d9%88%d8%b1%d9%8a%d8%a7-%d9%88%d8%b2%d8%a7%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%af%d9%84-%d8%aa%d8%a8%d8%af%d8%a3-%d8%a8%d9%85%d9%84%d8%a7%d8%ad%d9%82%d8%a9-%d9%82%d8%b6%d8%a7%d8%a9-%d9%85%d8%ad/