بعد توقف الأعمال القتالية في سوريا وسقوط النظام السابق، عاد كثير من المهجّرين والنازحين إلى مدنهم، ليكتشف بعضهم أن منازلهم أصبح يشغلها قادة فصائل أو عناصر تابعون لهم، أو أشخاص نزحوا من مناطق أخرى. وهذا الأمر أثار قلق أصحاب العقارات، خصوصاً في المناطق العشوائية التي يفتقر معظم سكانها لوثائق الملكية الرسمية مثل وثيقة (الطابو).
ورغم انتهاء القتال، لا تزال حالات الاستيلاء غير القانوني على عقارات الغير مستمرة في بعض المناطق السورية بسبب حالات الفوضى والانتقام التي تظهر بين الفينة والأخرى.[1] وبحسب القانون السوري، لا يمكن لأي شخص أن يكتسب ملكية عقار عن طريق الغصب، إذ يحمي القانون حقوق المالك أو الحائز. وبإمكان من تُعتدى على ملكيته أو حيازته اللجوء إلى القضاء ورفع دعوى استرداد حيازة أمام المحاكم المدنية.
سنستعرض في هذه الورقة شرحاً مبسطاً لدعوى استرداد الحيازة وفقاً لأحكام القانون المدني وقانون أصول المحاكمات المدنية السوري.
ويمكن القول بأن دعوى استرداد الحيازة هي الدعوى التي يقيمها الحائز على العقار ضدّ من انتزعه منه، بقصد إعادة الحيازة إلى وضعها السابق. فإذا قام شخص باغتصاب عقار أو الاستيلاء عليه بالإكراه أو دون أي سند قانوني أو مبرر مشروع، يحقّ للحائز الذي فقد حيازته أن يطلب استردادها وإعادة العقار إليه. وقد أتاح المشرّع هذه الدعوى للحائز من دون اشتراط بحث مسألة الملكية أو إثباتها.
وتهدف هذه الدعوى إلى حماية الحيازة بذاتها من أي اعتداء، حفاظاً على استقرار الأوضاع القانونية وضماناً للأمن والنظام العام. فالحيازة تُعد في الأصل قرينة على مشروعية وضع اليد على العقار إلى أن يثبت العكس.
أطراف الدعوى:
1 – المدعي: هو الشخص الذي كان يحوز العقار لحظة انتزاع الحيازة منه، سواء كان حائزاً أصلياً كالمالك، أو حائزاً عرضياً مثل المستأجر أو المنتفع أو المرتهن. ويحق لهؤلاء جميعاً رفع دعوى استرداد الحيازة ضد أي شخص يعتدي على حيازتهم، لأن القانون يحمي الحيازة بصرف النظر عن صفة المدعي في الملكية.
2 – المدعى عليه (الغاصب): هو الشخص الذي يستولي على العقار بالقوة أو بالغصب العلني أو بصورة خفية، أو باستخدام وسائل الغش أو التدليس. ويُشترط أن يكون فعل الغاصب قد أدى فعلاً إلى حرمان الحائز من حيازته وخلق عوائق تمنعه من العودة إلى العقار.
وإذا انتقلت الحيازة من الغاصب إلى شخص آخر، فإن الدعوى تُقام على الحائز الجديد ولو كان الأخير حسن النية[2]، لأن دعوى استرداد الحيازة تتبع العقار مهما انتقلت حيازته.
طبيعة الدعوى والمحكمة المختصة:
دعوى استرداد الحيازة هي دعوى شخصية عقارية، ولا يتطلب رفعها وضع إشارة الدعوى في السجل العقاري، كونها لا تتعلق بأصل الحق (الملكية)، بل تهدف فقط إلى إعادة العقار إلى الحائز الذي فقده.
وتقام هذه الدعوى أمام محكمة الصلح المدني في موقع العقار،[3] وتكون مفيدة بشكل خاص في الحالات التي يَعجز فيها المدعي عن تقديم وثيقة ملكية، كما في العقارات المخالفة أو غير المفرزة أو المشادة على أملاك الدولة. وفي هذه الحالات يكتفي المدعي بإثبات الحيازة بوصفها واقعة مادية، ويجوز له الإثبات بكافة وسائل الإثبات بما فيها شهادة الشهود.
وإذا تمكن المدعي من إثبات حيازته السابقة للعقار، وأن هذه الحيازة سُلبت منه بغير وجه حق، يُصدر القاضي حكماً بإعادة الحيازة إليه.
شروط دعوى استرداد الحيازة:
أولاً – ثبوت الحيازة الهادئة والعلنية والمستمرة للمدعي:
فإذا كانت حيازته غير مستقرة أو موضع نزاع، فلا يحقّ له رفع دعوى استرداد الحيازة. وفي حال وجود منازعة بين المدعي والمدعى عليه حول الحيازة، تُفضَّل الحيازة الأحق بالتفضيل وفقاً للمعايير القانونية.
ثانياً – فقدان الحيازة بطريق الغصب أو التعدي:
يشترط أن يكون فقدان الحيازة ناتجاً عن فعل غير مشروع، سواء بالاعتداء المباشر على الحائز أو على العقار ذاته. ولا يُشترط وقوع عنف مادي، إذ يكفي الاستيلاء على العقار أو وضع اليد عليه دون سند، كما يحدث في حالة شغل منزل بعد نزوح ساكنيه. كما أن بقاء شخص في العقار بعد انتهاء السبب الذي سمح له بالإشغال لا يُكسبه حقاً بالبقاء بشكل دائم، مثل رفض المستعير إخلاء المنزل بعد طلب المُعير.
ثالثاً – رفع الدعوى خلال مدة السنة:
حدد المشرّع ميعاد رفع دعوى استرداد الحيازة بسنة واحدة من تاريخ فقدان الحيازة، وذلك بالنسبة للعقارات الواقعة خارج مناطق التحديد والتحرير، أو إذا لم يكن المدعي هو المالك المسجّل في المناطق المحددة والمحررة، ولا يبدأ احتساب السنة إلا من تاريخ اكتشاف الغصب إذا وقع بصورة خفية.
أما في العقارات التي خضعت لأعمال التحديد والتحرير، فيجوز للمالك المسجَّل في السجل العقاري رفع الدعوى دون التقيد بالشروط الثلاثة المذكورة.[4]
وقد استقر اجتهاد محكمة النقض السورية[5] على اعتبار الظروف الأمنية خلال سنوات النزاع مانعاً يرقى إلى القوة القاهرة، كون تلك الظروف حالت دون وصول المدعي إلى القضاء بسبب الخطر الأمني والخوف من الاعتقال، أو الإقامة خارج مناطق سيطرة النظام. وفي هذه الحالة يُوقف التقادم ولا يبدأ سريانه إلا بعد زوال المانع المادي.
خاتمة:
تُعد قضية العقارات المستولى عليها في سوريا من أبرز التحديات التي تعيق عودة المهجّرين، وتشكل عاملاً مؤثراً في تحقيق السلم الأهلي وإعادة ترميم النسيج المجتمعي. ومن ثمّ، تبرز ضرورة أن تمنح الحكومة الانتقالية هذا الملف أولوية خاصة، من خلال وضع حد لانتهاكات حقوق الملكية، وتعزيز استقلال القضاء بما يتيح للمتضررين اللجوء إلى المحاكم لاسترداد عقاراتهم ورفع دعاوى ضد الغاصبين.
كما يتعين اتخاذ إجراءات تضمن الطمأنينة للمتضررين، لاسيما أن الخوف من نفوذ بعض واضعي اليد المنتمين إلى فصائل مسلّحة، إلى جانب ضعف الثقة في فعالية القضاء، ما يزالان يشكلان عائقاً أمام الكثير من أصحاب العقارات في المطالبة بحقوقهم واستعادة أملاكهم.
[1] انظر على سبيل المثال تقارير وابلاغات صادرة عن منظمة “سوريون”:
[2] المادة 69 من قانون أصول المحاكمات السوري.
[3] المادتين 65-83 من قانون أصول المحاكمات السوري.
[4] المادة 70 من قانون أصول المحاكمات السوري رقم 1 لعام 2016
[5] نقض عقارية أ، قرار 500، أساس 486، تا 25/ 6/ 2025 – سجلات محكمة النقض