يواجه عدد كبير من السوريين، ولا سيما بعد سقوط نظام الأسد، إشكاليات قانونية معقّدة تتعلق بالاستيلاء على عقاراتهم نتيجة التهجير القسري الذي تعرّضوا له خلال سنوات النزاع السوري أو في مراحله اللاحقة، وذلك في ظل تعدد الجهات المسيطرة على الأرض، وقد انعكس ذلك في صعوبة وصول أصحاب الحقوق إلى آليات قانونية فعّالة تمكّنهم من إثبات ملكياتهم المسلوبة واستردادها ضمن مدد زمنية معقولة.
ونظرًا لما تتسم به إجراءات التقاضي أمام القضاء العادي من بطء نسبي، سواء على مستوى الفصل في النزاع أو على صعيد تنفيذ الأحكام، قد لا يحقق هذا المسار القضائي الحماية العاجلة التي يبتغيها صاحب الحق في الملكية العقارية، ومن ثمّ، يبرز القضاء المستعجل كخيار قانوني أكثر ملاءمة في الحالات التي يُخشى فيها من تفاقم الضرر أو ضياع الحق بفعل مرور الوقت.
ويُقصد بالقضاء المستعجل ذلك القضاء الذي يختص بالنظر في المسائل التي تتوافر فيها صفة العجلة، بحيث يترتب على اتباع إجراءات التقاضي العادية ضرر يتعذر تداركه لاحقًا، دون أن يمتد اختصاص قاضي الأمور المستعجلة إلى الفصل في أصل الحق أو المساس بجوهر النزاع، إذ يبقى ذلك منوطًا بالقضاء الموضوعي المختص.[1]
وتصدر الأحكام في الدعاوى المستعجلة بصفة عاجلة وقابلة للتنفيذ الفوري، استنادًا إلى بحث ظاهري للمستندات والأدلة المقدمة، وتهدف إلى تنظيم المراكز القانونية للخصوم بصورة مؤقتة إلى حين البت في أصل النزاع أمام القضاء العادي.
ولما كان المشرّع السوري لم يضع حصرًا جامعًا لأنواع الدعاوى المستعجلة، بل ترك تحديدها للقضاء والواقع العملي في المحاكم، فقد استقر الاجتهاد القضائي على اعتبار بعض الدعاوى من قبيل الدعاوى المستعجلة، ومن بينها دعوى طرد الغاصب.
وانطلاقًا مما تقدم، تتناول هذه الورقة عرضًا مبسطًا لدعوى طرد الغاصب وفقًا لأحكام قانون أصول المحاكمات السوري، مدعّمًا باجتهادات محكمة النقض السورية ذات الصلة.
ماهي دعوى طرد الغاصب؟
يمكن تعريف هذه الدعوى بأنها دعوى قضائية ترمي إلى إزالة حالة الغصب واسترداد العقار من يد من استولى عليه دون وجه حق، سواء تمّ ذلك بالقوة أو بمجرد وضع اليد دون وجود مسوغ قانوني يبرر الحيازة. وتُعد هذه الدعوى من الدعاوى المستعجلة، نظرًا لما تنطوي عليه حالة الغصب من مخاطر تفاقم الضرر أو تعقّد الوضع القانوني للعقار إذا استمرت دون تدخل قضائي سريع.
وتُصنَّف دعوى طرد الغاصب بوصفها دعوى شخصية عقارية، ولا يترتب على رفعها وضع إشارة دعوى على صحيفة العقار، باعتبار أنها لا تمس أصل الحق المتعلق بالملكية، وإنما تهدف إلى تنظيم الوضع القائم بصورة مؤقتة. وتُقام هذه الدعوى أمام قاضي الأمور المستعجلة، وهو رئيس محكمة البداية المدنية في كل محافظة أو منطقة، وفي المراكز التي لا توجد فيها محكمة بداية يختص قاضي الصلح المدني بالنظر فيها.[2]
ويعود لقاضي الأمور المستعجلة تقدير توافر عنصر العجلة من عدمه استنادًا إلى وقائع الدعوى والمستندات المقدمة. ولتحقيق الغاية من القضاء المستعجل، حدّد قانون أصول المحاكمات المدنية ميعاد الحضور في هذه الدعاوى بأربعٍ وعشرين ساعة، مع جواز تقصير هذا الميعاد إلى ساعة واحدة في حالات الضرورة القصوى[3]. ويكون الحكم الصادر في الدعوى المستعجلة قابلاً للاستئناف خلال خمسة أيام، ويكون قرار محكمة الاستئناف مبرمًا.[4]
من هم أطراف الدعوى:
أولًاــ المدعي: يشترط في المدعي أن يكون مالكًا للعقار محل النزاع أو صاحب حقّ عيني عليه، كصاحب حق الانتفاع أو المستأجر بموجب عقد صحيح.[5] ويقع على عاتق المدعي إثبات صفته وحقه العيني على العقار، ويكون ذلك إما من خلال إبراز إخراج القيد العقاري، والذي يُعد أقوى وسائل الإثبات، إذ تُفترض حيازة المدعي للعقار بحكم القانون متى كان مسجّلًا باسمه في السجل العقاري، وينتقل في هذه الحالة عبء إثبات مشروعية وضع اليد إلى الشاغل (المدعى عليه).
كما يجوز للمدعي إثبات صفته بموجب المستندات الرسمية الأخرى، كالأحكام القضائية أو عقود البيع الموثقة، متى كانت كافية لإثبات الحق من ظاهرها دون مساس بأصل النزاع.
ثانيًاــ المدعى عليه (الغاصب): هو واضع اليد على العقار دون رضا صاحبه ودون أي مسوغ قانوني يبرر الحيازة، أي أن شغله للعقار قائم على الغصب المجرد من أي سند مشروع، وبناءً عليه، لا تُقبل دعوى طرد الغاصب إذا أُقيمت على أحد المالكين على الشيوع، ولو كان يملك حصة ضئيلة من العقار، كما لا يجوز توجيهها إلى مستأجر يشغل العقار بموجب عقد إيجار أصولي.
الفترة الزمنية لإقامة دعوى طرد الغاصب:
لا تخضع دعوى طرد الغاصب لمدّة زمنية محددة لإقامتها، إذ يجوز للمدعي رفعها ولو انصبّ الغصب على وقائع تعود إلى سنوات سابقة، ما دام واضع اليد لا يستند إلى أي مسوغ قانوني يبرر شغله للعقار، كعقد إيجار أو سند كتابي أو سبب مشروع للحيازة، وبشرط توافر عنصر العجلة الذي يبرر اللجوء إلى القضاء المستعجل.
ومع ذلك، يُفترض بصاحب الحق المبادرة إلى المطالبة بحقه خلال أقرب وقت ممكن من تاريخ تعرضه أو عقاره للاعتداء، دون تراخٍ غير مبرر ومتى سنحت له الامكانية لرفع الدعوى، ويعود تقدير توافر عنصر العجلة من عدمه إلى قاضي الأمور المستعجلة الناظر في الدعوى.
وإذا ثبت من ظاهر المستندات المقدمة أن المدعى عليه يضع يده على العقار دون سبب قانوني مشروع، يحكم قاضي الأمور المستعجلة بطرده من العقار وإلزامه بتسليمه للمدعي خاليًا من الشواغل، وذلك دون التعرض لأصل الحق أو الفصل في مسألة الملكية، التي تبقى من اختصاص القضاء الموضوعي المختص.
الفرق بين دعوى طرد الغاصب ودعوى استرداد الحيازة وأيهما أنفع للمدعي:
تختلف دعوى طرد الغاصب عن دعوى استرداد الحيازة من حيث الأساس القانوني وشروط القبول والغاية التي تسعى كل منهما إلى تحقيقها. فدعوى طرد الغاصب تقوم على ثبوت حق عيني للمدعي على العقار، إذ يُشترط أن يكون مالكًا له أو صاحب حق عيني ثابت، ويتعين عليه إثبات هذا الحق أمام المحكمة من خلال المستندات القانونية المناسبة. ولا تتقيد هذه الدعوى بمدة زمنية محددة، إذ يجوز إقامتها في أي وقت طالما استمرت حالة الغصب.
في المقابل، تُعد دعوى استرداد الحيازة دعوى قائمة على الحيازة الفعلية وحدها، بمعزل عن مسألة الملكية، وتهدف إلى حماية الحائز من السلب غير المشروع لحيازته. ويشترط لقبولها أن يكون المدعي حائزًا فعليًا للعقار وقت سلب الحيازة، وأن يكون هذا السلب قد تم دون رضاه، كما يجب رفع الدعوى خلال مدة سنة واحدة من تاريخ فقدان الحيازة، وذلك في الحالات التي لا يكون فيها المدعي هو المالك قيداً للعقار.
ومن حيث الجدوى العملية، تكون دعوى استرداد الحيازة أنسب للمدعي الذي لا يملك سندًا رسميًا للملكية، لكنه كان يضع يده على العقار وحُرم من حيازته بصورة غير مشروعة، إذ توفر له هذه الدعوى حماية قانونية سريعة للحيازة بغض النظر عن الملكية. أما إذا كان المدعي مالكًا قيداً أو صاحب حق عيني ثابت، فإن دعوى طرد الغاصب تُعد أكثر فائدة، لأنها تمكّنه من استرداد العقار وتكريس حقوقه القانونية عليه، حتى ولو لم يكن حائزًا له فعليًا وقت وقوع الغصب.
خاتمة:
تُعد دعوى طرد الغاصب من الوسائل القانونية الفعّالة التي تتيح توفير حماية قضائية سريعة ومؤقتة للمالك أو لصاحب الحق العيني على العقار، من خلال صدور أحكام عاجلة لا تمس أصل الحق ولا تحسم مسألة الملكية، بما لا يحول دون لجوء صاحب الشأن إلى القضاء العادي المختص للفصل في أصل النزاع متى اقتضى الأمر، ولا سيما في الحالات التي قد تكون فيها المستندات محل نزاع أو تعرضت للتزوير خلال سنوات النزاع السوري.
وتتمثل الأهمية العملية الأبرز لهذه الدعوى في تمتع الحكم الصادر فيها بالنفاذ المعجل بقوة القانون[6]، الأمر الذي يتيح للمدعي مباشرة إجراءات التنفيذ فورًا عن طريق دائرة التنفيذ، دون انتظار انقضاء مهلة الاستئناف، ما لم تقرر محكمة الاستئناف وقف التنفيذ.[7]
وفي جميع الأحوال، لا يحول الحكم الصادر في دعوى طرد الغاصب دون حق المدعي في المطالبة بالتعويض عن فترة إشغال العقار غصبًا، وذلك من خلال إقامة دعوى مستقلة أمام محكمة الموضوع المختصة للمطالبة بجبر الأضرار الناجمة عن هذا الإشغال.
[1] المادة 79 من قانون أصول المحاكمات السوري رقم 1 لعام 2016.
[2] المادة 79 من قانون أصول المحاكمات.
[3] المادة 103 من قانون أصول المحاكمات.
[4] المادة 229 من قانون أصول المحاكمات.
[5] يحق للمستأجر المنتفع أن يدافع عن وضع يده على العقار ويرد المغتصب ويقيم الدعوى عليه شأنه شأن المالك في حدود الحقوق التي يمارسها على العقار .
هيئة عامة قرار 96 أساس 308 عام 2000.
[6] المادة 292 من قانون أصول المحاكمات.
[7] المادة 292 من قانون أصول المحاكمات.