يشكل احترام جثث الموتى أحد المبادئ الأساسية في القانون الدولي الإنساني، والذي يفرض التزامات واضحة على أطراف النزاعات المسلحة، الدولية أو غير ذات الطابع الدولي.
ويُقصد بالتمثيل بجثث الموتى كل فعل أو سلوك يُلحق إهانة أو إساءة أو تشويهاً متعمداً بجثمان إنسان بعد وفاته، ويشمل ذلك، على سبيل المثال لا الحصر: السحل أو الجر أو الرمي من أماكن مرتفعة، والتشويه أو التقطيع أو الحرق غير المبرر، أو العرض العلني للجثث بقصد الإذلال أو الترهيب، حرمان الجثمان من الدفن اللائق أو من أداء الشعائر الدينية الواجبة. وتنطبق هذه القاعدة على جميع جثث الموتى، سواء كانوا مدنيين أو مقاتلين أو أسرى حرب أو محتجزين، دون أي تمييز.
وفي هذا الصدد، شهدت مدينة حلب، تصعيداً عسكرياً في أواخر 2025 وبداية 2026، تعكس التوترات المستمرة بين قوات الحكومة السورية الانتقالية وقوات من أسايش (الأمن الداخلي) لحيي الأشرفية والشيخ مقصود. وقد أدت هذه الاشتباكات إلى نزوح حوالي 170 ألف شخص، في محافظات حلب والحسكة والرقة، ومقتل 23 شخصاً على الأقل، وإصابة 104 آخرين، وفقاً لتقرير الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية (OCHA) بتاريخ 26 يناير 2026.
في هذا السياق، انتشرت فيديوهات على مواقع التواصل الاجتماعي توثق حوادث عدة منها: رمي جثة (مقاتلة كردية) من شرفة مبنى في الأشرفية بعد قتلها أثناء الاشتباكات في 7 كانون الثاني/يناير 2026، مع هتافات “الله أكبر” وتشجيع من الجنود، وسحل جثة عنصر آخر من القوات الكردية على درج مبنى في الشيخ مقصود في 8 يناير 2026، بعد ربط قدمه وإنزاله بشكل مهين، مع إهانات لفظية وتصوير الفيديو لأغراض دعائية، وفيديو آخر يظهر فيه مسلح يتباهى بقص ضفيرة مقاتلة كردية قتلت في الرقة، حيث رفع “المسلح” الضفيرة ويقول: “جلبنا لك شعر هافالة (رفيقة)”، وعندما يسأله مصور الفيديو عن سبب قصه شعرها، يقول “هي رايحة رايحة (ميتة بكل الأحوال)، وفي فيديو آخر يظهر عنصر من قوات سوريا الديمقراطية وهو يتباهى بقتل واحد وعشرين عنصرا من قوات الحكومة السورية، وهو يعرض صور جثث الموتى.
وتعتبر تلك التصرفات مدانة وفق القوانين السورية، وانتهاكاً لأحكام القانون الدولي الإنساني التي توجب احترام جثامين الموتى وصون كرامتهم، بغض النظر عن صفتهم أو انتمائهم، وتحظر التمثيل بالجثث أو المعاملة المهينة لها.
الإطار القانوني لحرمة الموتى في النزاعات المسلحة:
جرم قانون العقوبات السوري التعدي على حرمة الأموات والجرائم المخلة بنظام دفنهم، وإتلاف الجثة كلياً أو جزئياً، وذلك بموجب المادتين (463) و(465)، وتكون العقوبة الحبس من شهر إلى سنة.
ونظراً لأهمية الكرامة الإنسانية، ورد وجوب احترام حرمة الموتى في اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949، إذ نصت اتفاقية جنيف الأولى، المادة 17، “یتحقق أطراف النزاع من أن دفن الجثث أو حرقھا بجري لكل حالة على حده بقدر ما تسمح به الظروف، ویسبقه فحص الجثة بدقة، وفحص طبي إن أمكن، بقصد التأكد من حالة الوفاة، والتحقق من ھویة المتوفى، والتمكن من وضع تقریر. ويجب أن یبقى مع الجثة أحد نصفي لوحة تحقیق الھویة إذا كانت مزدوجة أو اللوحة نفسھا إذا كانت مفردة. لا يجوز حرق الجثث إلا لأسباب صحية قھریة أو لأسباب تتعلق بديانة المتوفى. وفي حالة الحرق، تبين أسبابه وظروفه بالتفصیل في شھادة الوفاة أو في قائمة أسماء الموتى المصدق علیھا”.
“وعلى أطراف النزاع التحقق من أن الموتى قد دفنوا باحترام وطبقاً لشعائر دينهم إذا أمكن، وأن مقابرهم تحترم، وتجمع تبعاً لجنسياتهم إذا أمكن، وتصان بشكل ملائم وتُمیَّز بكیفیة تمكن من الاستدلال علیھا دائماً، وطلباً لهذه الغاية، وعند نشوب الأعمال العدائية تنشئ أطراف النزاع إدراة رسمية لتسجيل المقابر، لتيسير الاستدلال عليها فيما بعد، والتحقق من ھویة الجثث أیاً كان موقع المقابر ونقل الجثث إلى بلد المنشأ“.
بالإضافة إلى ما ذكر ورد وجوب احترام حرمة جثث الموتى في اتفاقية جنيف الثانية المادة 20، واتفاقية جنيف الثالثة، المادة 120، واتفاقية جنيف الرابعة، المادة 130. تنطبق المواد السابقة على جميع الجثث، للمدنيين، المقاتلين، أسرى الحرب والمعتقلين.
كما ينص البروتوكول الإضافي الثاني الملحق باتفاقيات جنيف على واجب معاملة جثث الموتى بطريقة تتسم بالاحترام في النزاعات المسلحة غير الدولية. حيث ألزمت المادة الثامنة الأطراف المتحاربة بضرورة اتخاذ الإجراءات الممكنة ودون أي إبطاء، كلما سمحت الظروف بذلك، للبحث عن الموتى والحيلولة دون انتهاك حرماتهم وأداء المراسم الأخيرة لهم بطريقة كريمة.
إضافة الى ذلك فإن المادة الثامنة من نظام روما للمحكمة الجنائية الدولية اعتبرت أن الانتهاكات الجسيمة لإتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 تندرج ضمن خانة جرائم الحرب، ولاشك أن انتهاك حرمة الموتى أثناء العمليات العسكرية تشكل خرقاً لاتفاقيات جنيف المذكورة، وبالتالي تجب محاسبة كل من قام بجريمة التمثيل بالجثث أمام قضاء نزيه وعادل.
وتؤكد اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن التمثيل بجثث الموتى يشكل انتهاكاً خطيراً لقواعد القانون الدولي الإنساني، ويتجاوز حدود الأعمال القتالية المشروعة، وقد يندرج ضمن جرائم الحرب، لما ينطوي عليه من مساس جسيم بالكرامة الإنسانية في أوقات النزاع المسلح.
وبحسب قواعد القانون الدولي الإنساني العرفي من الواجب معاملة جثث الموتى بطريقة تتسم بالاحترام، كما ويجب احترام قبورهم وصونها، ويحظر تشويه جثث الموتى، (القاعدتين 113و115).
ورغم تجريم قانون العقوبات السوري التعدي على حرمة الأموات، وإتلاف الجثة كلياً أو جزئياً، إلا أن هذا المفهوم لا يحظى بتعريف قانوني دقيق يراعي طبيعة الانتهاكات الجسيمة المرتكبة في سياق النزاعات المسلحة. كما أن العقوبات المنصوص عليها في هذا الإطار تبدو محدودة ولا تتناسب مع خطورة التمثيل بالجثث وما ينطوي عليه من مساس جسيم بالكرامة الإنسانية. ما يساهم في تطبيع هذه الانتهاكات الخطيرة في سياق النزاع. ويُبرز ذلك الحاجة إلى مراجعة تشريعية تُشدد العقوبات وتواكب المعايير الدولية، بما يضمن عدم الإفلات من العقاب ويؤكد أن احترام الموتى التزام قانوني لا يقبل التهاون.