بتاريخ 19 كانون الأول/ديسمبر 2025، أصدرت وزارة العدل تعميمًا إلى المحاكم الشرعية، يقضي بالسماح لـ”وليّ القاصر على النفس” باستصدار جواز سفر للقاصر، أو منحه تأشيرة السفر اللازمة، أو إنجاز المعاملات المشابهة، وذلك دون الحاجة إلى موافقة القاضي الشرعي، كونها أموراً متعلقة بالعناية بشخص القاصر، وداخلة في الولاية على نفسه وكون الولي على النفس مقدم على القاضي، ولا ولاية للقاضي بتعيين وصي لتولي أمر يدخل في الولاية على النفس.[1]

وأوضحت الوزارة أن أصحاب الولاية على النفس هم: الأب، الجدّ العصبي، الأخ الشقيق، الأخ لأب، ابن الأخ الشقيق، ابن الأخ لأب، العمّ الشقيق، العمّ لأب، عمّ الأب الشقيق، عمّ الأب لأب، عم الجدّ العصبي الشقيق، عمّ الجدّ العصبي لأب، ابن العمّ الشقيق، ابن العمّ لأب، ابن عمّ الجدّ العصبي الشقيق، ابن عمّ الجدّ العصبي لأب، بعد أن كان هذا الحق حصرًا بيد الأب فقط.

وأكّدت الوزارة أن هذا التعميم جاء تلبيةً لاحتياجات الأفراد المتزايدة لاستصدار جواز سفر أو الحصول على تأشيرة خروج، وتخفيفًا لأعباء المحاكم الشرعية والقضاة، ويأتي هذا التعميم حسب وزارة العدل بعد تزايد طلبات استصدار جوازات السفر الخاصة بالقاصرين مما أدى الى ندب بعض القضاة للعمل في مكاتب إدارة الهجرة والجوازات.

وقد أثار هذا التعميم جدلاً واسعاً حول حقّ ولاية الأم على أطفالها القاصرين، التعميم أقصى الأم إقصاءً تاماً من ممارسة الولاية على النفس، حيث أعاد التعميم التأكيد على حصر الولاية على القاصر بالأب والأقارب من جهة الأب، وفقاً لعصبة الدم، لتشمل حتى ابن عم الجد، مع استبعاد الأم من حق الولاية.

ونتيجة الانتقادات التي وُجهت لهذا التعميم لما فيه من انتهاك لحقّ الأم في الولاية، فقد أوضح القاضي الشرعي الأول في دمشق “أحمد حمادة” في بيان رسمي نشرته وزارة العدل بتاريخ 19 كانون الأول/ديسمبر 2025، أن التعميم الأخير الصادر عن وزير العدل يهدف حصراً إلى تسهيل الإجراءات الإدارية لاستخراج جوازات سفر القاصرين، وإن ما يتم تداوله على منصات التواصل الاجتماعي بشأن “إلغاء وصاية الأم”، واصفاً إياه بأنه “لا أساس له من الصحة”، مؤكداً أن الأم “تتمتع بالوصاية نفسها التي كانت تتمتع بها في ظل القانون النافذ”.

وأشار إلى أن التعميم يسمح للأم باستخراج جواز سفر للقاصر مباشرة دون الحاجة لمراجعة القاضي الشرعي، لكن إذن السفر يبقى مشروطاً بموافقة مشتركة من كلا الأبوين، وفي حال غياب أحدهما تُطبّق القواعد القانونية المعتادة.

 وقبل الخوض في تفاصيل هذا التعميم والنتائج المترتبة عليه، ومن ثم مدى توافق التوضيح الصادر عن القاضي الشرعي الأول مع التعميم، لا بد من توضيح بعض المصطلحات المستخدمة في هذا الشأن، كالوصاية والولاية والحضانة، وعما إذا كان التعميم رقم 17 لعام 2025 يتوافق مع قانون الأحوال الشخصية السوري أم لا.

  • الولاية: تكون الولاية على الصغير القاصر وهو الذي لم يبلغ سن الرشد سواء أكان مميزاً أم غير مميز وهي تقسم إلى قسمين ولاية على النفس وولاية على المال وتعود الولاية على المال والنفس معاً إلى الأب وفي حال عدم وجود الأب تعود إلى الجد العصبي (الجد لاب).[2]

وفي حال عدم وجود الأب أو الجد العصبي تنفصل الولاية على النفس عن الولاية على المال فتنقلب الولاية على المال إلى وصاية، وتبقى الولاية على النفس فقط، التي تعود حينئذ إلى الأقارب العصبات من الذكور بحسب ترتيبهم بالنسبة للإرث من الصغير، ويدخل في الولاية على النفس سلطة التأديب والتطبيب والتعليم والتوجيه إلى حرفة اكتسابية والموافقة على التزويج وسائر أمور العناية بشخص القاصر، ولا شك أن استخراج الوثائق الرسمية للقاصر ومنها جواز السفر تدخل ضمن أمور العناية بشخص القاصر الواردة في المادة 170 من قانون الأحوال الشخصية.

  • الوصاية: وتكون على القاصر بالنسبة لأموره المالية فقط لا الشخصية وتعود الوصاية على مال القاصر إلى الشخص الذي يعينه الأب أو الجد العصبي قبل وفاتهما ويسمى بالوصي المختار على أن تثبت المحكمة هذه الوصاية بعد الوفاة.[3] وإذا لم يكن هناك وصي فإن المحكمة الشرعية هي التي تعين الوصي.
  • الحضانة: هي الرعاية اليومية والتربية والعناية الجسدية والنفسية بالطفل كالسكن والطعام واللباس والتربية وتكون للأم حتى بلوغ الطفل سن 15 عاماً، مالم يكن هناك مانع قانوني، ومن بعدها يخير الطفل بين الأم أو الأب [4].

إشكالية في قانون الأحوال الشخصية بحدّ ذاته:

لم يقدم التعميم الجديد تغييرات جوهرية في تراتبية حقّ الولاية على القاصر، بل أعاد التأكيد على المواد المنصوص عليها في قانون الأحوال الشخصية السوري التي تمنح الولاية على نفس القاصر للأب، ثم الجد العصبي، ثم الأخ الشقيق، وصولاً إلى أعمام الطفل وأعمام الأب وأعمام الجد، وحتى ابن عم الجد العصبي.

تكمن المشكلة إذن في قانون الأحوال الشخصية ذاته، الذي لم يطوّر مفهوم الولاية بما ينسجم مع التحولات الاجتماعية خلال النزاع وبعدها، ولا مع الالتزامات الدولية المتعلقة بالمساواة وعدم التمييز، فالقانون ما زال يعكس بنية أبوية تجعل تمثيل الطفل أمام الدولة حكراً على خط القرابة الذكوري، وتضع الأم مهما كان دورها في الإعالة والرعاية خارج دائرة الولاية، وهي فجوة تظهر حدتها كلما تعلق الأمر بالسفر ولمّ الشمل والتعليم والعلاج، وجميع المعاملات التي تتطلب وجود ولي حاضر وموافق. وهذا ما ينتج عنه: تعطيل مصالح القاصر عند غياب أو تعذر الولي الذكر، إخضاع الأم لإجراءات معقدة رغم مسؤوليتها الفعلية بحضانة الطفل، وفتح الباب للنزاعات العائلية وتعريض الطفل لعدم استقرار قانوني طويل الأمد.

كما أن توضيح القاضي الشرعي الأول لا يرقى إلى مستوى تعديل القاعدة القانونية الناظمة للولاية على النفس، ولا يُنشئ للأم ولاية قانونية مستقلة على القاصر، كما هو الحال بالنسبة للأب، وهذا ما يتناقض مع اتفاقية حقوق الطفل لعام 1989 التي تمنح الأولوية دائماً لمصالح الطفل الفضلى، ويتناقض كذلك مع مبدأ المساواة وعدم التمييز على أي أساس كان، المنصوص عليه في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لعام 1966، وغيرها من العهود والمواثيق الدولية، وسوريا طرف في الاتفاقيات المذكورة، ويخالف ما ورد في الإعلان الدستوري السوري الذي نص على مبدأ المساواة، وعلى أن الحقوق والحريات الواردة في المعاهدات والمواثيق والاتفاقيات الدولية لحقوق الانسان التي صادقت عليها سوريا جزء لا يتجزأ من الإعلان الدستوري.

خاتمة:
إن حماية حقّ الأم في الولاية على طفلها ضرورة قانونية وإنسانية، وضمانة أساسية لعدالة المواطنة، وسيادة القانون، ومستقبل الأطفال في سوريا. ويتوجب على الحكومة السورية الوفاء بالتزاماتها المنصوص عليها في الاتفاقيات والمواثيق الدولية، وكذلك في الإعلان الدستوري السوري، ويتحقق ذلك بمراجعة قانون الأحوال الشخصية نفسه، وتعديله بحيث يمنح الأم الحق في الولاية على النفس والمال أسوة بالأب، وفي حال اعتراض أحدهما على هذا الأمر فيعود للقاضي الشرعي اختيار الأصلح من بين الوالدين بناءً على مصلحة الطفل الفضلى، كما وإن إلغاء التعميم يكون عبر تعميم لاحق وليس بتوضيح يناقض ما ورد فيه.

[1] الولاية مقدمة على الوصاية ما لم تسقط.  نقض رقم 294 أساس 286 تاريخ 22 / 7 / 1966 مجلة المحامون ص 342 لعام 1966

[2] المادة 170 من قانون الأحوال الشخصية السوري

[3] المادة 176 والمادة 177 من قانون الأحوال الشخصية السوري

[4] المادة 139 والمادة 146 من قانون الأحوال الشخصية السوري