يبدو أن الآمال المعقودة على وقف نزيف الدم في سوريا بعد سقوط نظام الأسد، وكذلك الوعود التي أطلقتها الحكومة السورية الانتقالية بوقف الانتهاكات والانتقال بسوريا الى دولة القانون والمؤسسات، لم تكن كافية للجم آلة القتل التي استمرت في حصد الأرواح، بل إن المشهد السوري ما بعد سقوط الاسد يكشف عن عدم توقف الانتهاكات وإنما فقط تبدل الفاعلين والضحايا، وتغير الجغرافيا التي كانت محلاً للانتهاكات والجرائم الفظيعة، فمنذ المجازر التي شهدها الساحل السوري في آذار/مارس 2025، وصولاً إلى أحداث السويداء الدامية في تموز/يوليو من العام ذاته، يتضح أن غياب المحاسبة وغضّ الطرف عن مرتكبي هذه الفظائع قد خلق بيئة خصبة لإعادة تدوير الجريمة؛ حيث رصدت تقارير ميدانية وشهادات موثقة ظهور أسماء وشخصيات تورطت في انتهاكات الساحل وهي تمارس ذات الجرائم في السويداء، مما يؤكد أننا أمام منظومة إفلات من العقاب، يتم تكريسها بشكل ممنهج.

في هذا السياق، وثق تقرير لجنة التحقيق الدولية الأممية المستقلة الصادر في آذار/مارس 2026، مقتل ما لا يقل عن 1700 شخص وتهجير ما لا يقل عن 200 ألف شخص من ديارهم، مستنداً إلى تحقيقات ميدانية معمقة وسماع مباشر لأكثر من 400 شاهد عيان. بل ذهب التقرير إلى أبعد من ذلك بتوصيف هذه الانتهاكات كجرائم قد ترقى إلى مستوى “جرائم حرب” و”جرائم ضد الإنسانية”. وأكدت اللجنة أن هذا العنف لم يكن عفوياً، بل ترافق مع خطاب كراهية طائفي أذكى نيران الفتنة، وبحسب نتائج التحقيق، يمكن تقسيم وقائع هذه المأساة إلى ثلاث موجات عنف كبرى ومدمرة، رسمت مشهداً يكرس غياب سيادة القانون في الدولة الوليدة، وفق التفصيل التالي:

  1. موجة العنف الأولى من قوات الحكومة السورية:

شهدت الفترة بين 14 و16 تموز/يوليو أولى موجات العنف الكبرى ضد المدنيين الدروز في مدينة السويداء وريفها الغربي، ارتكبتها القوات الحكومية بمشاركة مقاتلي عشائر خاضعين لسيطرتها الفعلية وتُنسب أفعالهم للدولة. حيث وثّقت اللجنة خلال هذه العمليات انتهاكات جسيمة شملت الإعدامات، والتعذيب، والعنف الجنسي، والاحتجاز التعسفي، والنهب الممنهج. كما سجل التقرير حالات فصل للرجال عن عائلاتهم قبل إعدامهم، بينما قُتل آخرون بإطلاق النار المباشر في الشوارع أو داخل منازلهم.

وأشار التقرير إلى مشاركة عناصر من القوات الحكومية إلى جانب مقاتلي العشائر غير النظاميين في انتهاكات ضد السكان المدنيين أو امتنعوا عن التدخل عند وقوع تلك الانتهاكات أو استمرارها، وقد حمل بعضهم السيوف، وارتدى آخرون شارات تحمل عبارة الشهادة على بزاتهم العسكرية، وقد شملت الانتهاكات الموثقة “جرائم قتل واسعة النطاق، وهجمات مباشرة وعشوائية على المدنيين، والاعتقال والاختطاف التعسفيين، والتعذيب وسوء المعاملة، والنهب، والهجمات على ممتلكات المدنيين، والعنف الجنسي والجنساني، بما في ذلك الاغتصاب، والانتهاكات الماسة بالكرامة الشخصية، والهجمات على المباني الدينية مصحوبة بإهانات طائفية تمييزية تستهدف بشكل أساسي المجتمع الدرزي”. (الفقرة 37). ويضيف التقرير أنه ومن بين الانتهاكات التي تمس بالكرامة الشخصية خلال تلك الفترة، “يُشار إلى قص شوارب الرجال الدروز المسنين، وهو عمل مسيء ومهين للغاية للمجتمع الدرزي، في العديد من هذه الحالات، قام المقاتلون بتسجيل أنفسهم وبث انتهاكاتهم على وسائل التواصل الاجتماعي، مما عزز شعورا واضحاً بالإفلات من العقاب”.

وبحسب التقرير فإن الهجمات الإسرائيلية على مواقع وقوات عسكرية سورية بما فيها مجمع هيئة الأركان العامة لوزارة الدفاع في قلب دمشق كانت السبب في “توقف مؤقت للعمليات البرية”.

  1. انسحاب قوات الحكومة: الموجة الثانية من العنف:

عقب وقف إطلاق النار بالسويداء في تموز/يوليو 2025، شهدت المحافظة تصاعداً في العنف؛ إذ واجه المدنيون البدو هجمات من المجلس العسكري ومجموعات مسلحة أخرى إثر انسحاب القوات الحكومية ومقاتلو العشائر. شملت الانتهاكات “القتل والهجمات المباشرة والعشوائية على المدنيين، والتعذيب وسوء المعاملة، والاحتجاز التعسفي، والتهجير القسري، والانتهاكات الماسة بالكرامة الشخصية، والهجمات على المباني الدينية، والنهب الموجه ضد المجتمع البدوي” (الفقرة 41). وقد أدت هذه الموجة إلى نزوح عشرات الآلاف وتهجير معظم البدو من المناطق التي يسيطر عليها الدروز بحلول نهاية الشهر.

  1. فزعة العشائر: الموجة الثالثة من العنف:

أدى الانتشار السريع للانتهاكات على منصات التواصل، مع خطاب الكراهية والمعلومات المضللة، إلى تعبئة آلاف مقاتلي العشائر من خارج السويداء تحت مسمى “الفزعة”. ورغم ادعاء مساندة المجتمعات البدوية، إلا أن معظم من قابلتهم اللجنة أشاروا إلى عدم وجود روابط جوهرية بين بدو السويداء ومقاتلي العشائر الذين دخلوا المنطقة”. وقد تجمعت قبائل مسلحة بين 17 و 18 تموز/يوليو على طريق دمشق–السويداء استجابةً لهذه الدعوات. (الفقرة42).

وبحلول 18 تموز/يوليو، سيطرت مجموعات من مقاتلي العشائر على عدة مناطق ريفية، مما دفع آلاف المدنيين الذين بقوا أو عادوا بعد انسحاب القوات الحكومية إلى الفرار نحو مدينة السويداء أو غرباً نحو درعا، وقّدر مسؤول حكومي أن ما يصل إلى 80,000 مقاتل عشائري قد تجمعوا في جنوب سوريا، وعلى الرغم من تمركز قوات الحكومة في هذه المرحلة على الطرق الرئيسية، “إلا أنها لم تمنع وصول قوات العشائر إلى السويداء، مما أثار التكهنات بأنها ربما سهلت ذلك”، “وخلال هذا التقدم خلع بعض أفراد الجيش العربي السوري وقوات الأمن الداخلي زيهم العسكري وانضموا إلى مقاتلي العشائر الذين دخلوا محافظة السويداء”. (الفقرة 43).

وأشار التقرير إلى انه “خلال هذه الموجة الثالثة الكبرى من العنف، شارك مقاتلو العشائر في القتل، والاحتجاز التعسفي، والانتهاكات التي تمّس بالكرامة الشخصية، والنهب، والهجمات على الأعيان المدنية، والهجمات على المباني الدينية، وتم حرق وتدمير ما يصل إلى 35 قرية في الريف الغربي والشمالي عمداً”، واكد التقرير إلى أن أكثر عمليات النهب والحرق المنهجية حدثت خلال فزعة العشائر. (الفقرة 44).

وبالرغم من الإعلان عن وقف إطلاق النار في 19 تموز/يوليو، استمر مقاتلو العشائر في تنفيذ هجمات على القرى في الريف الغربي والشمالي وبعض أجزاء مدينة السويداء، رغم أنهم انسحبوا إلى حد كبير من المحافظة بحلول 20 تموز/يوليو.

  1. نتائج الانتهاكات:

أدى حجم الانتهاكات التي ارتكبت خلال موجات العنف الثلاث على مدينة السويداء وعشرات القرى الدرزية والبدوية والمختلطة في الريف الغربي والشمالي والجنوبي، إلى تهجير ما يقارب من 200,000 شخص، وبحسب اللجنة فقد طالت غالبية الوفيات أفراد المجتمع الدرزي، حيث بلغ عدد القتلى 1190 رجلاً، و99 امرأة، و22 صبياً، و31 فتاة. كما سُجّلت وفيات في المجتمع البدوي، إذ تأكد مقتل 53 رجلاً، و 9 نساء، و 5 فتيان، و3 فتيات، وأفيد أيضاً بمقتل ما لا يقل عن 225 من عناصر القوات الحكومية (134 بحسب وزارة الدفاع و91 بحسب وزارة الداخلية)، سقط العديد منهم في غارات جوية إسرائيلية بين 14 و 16 تموز/يوليو في السويداء ودمشق. (الفقرة 48).

وأشارت اللجنة إلى أن العنف في السويداء أدى إلى” خلق انقسام عميق” بين المجتمعات الدرزية والحكومة، حيث دعا بعض قادة الدروز إلى “الحكم الذاتي أو الاستقلال عن سوريا”، بدعم محتمل من الخارج، بينما يرفض آخرون هذا التوجه ويطرحون حلولاً بديلة.

وأدى الانقسام إلى تدهور الوضع الإنساني والاقتصادي في السويداء، كما يواجه نحو 155 ألف نازح ظروفاً قاسية في المخيمات أو المدارس، مع استمرار مخاوفهم من العودة بسبب انعدام الأمن، كما يواجه السكان قيوداً على وصول المساعدات الإنسانية وحرية التنقل، وقد تأثر الوضع المعيشي بشكل كبير بسبب تدمير البنية التحتية ونقص الخدمات الأساسية كالمياه والكهرباء، فضلاً عن العوائق أمام استعادة السكن والممتلكات نتيجة النهب والحرق، إضافة إلى انتشار خطاب الكراهية، ما خلق بيئة غير آمنة، خاصة لبعض الفئات.

  1. توصيف النزاع والقانون الواجب التطبيق:

وصفت لجنة التحقيق الدولية النزاع بأنه “صراع مسلح غير دولي”، لذلك فإن القانون الدولي الإنساني هو الاطار القانوني الأساسي الواجب التطبيق، وبالتالي فإن جميع الأطراف “الحكومة والجماعات المسلحة”، ملزمة باحترام بالقانون الدولي الإنساني، واعتبرت اللجنة ان مقاتلو العشائر الذين رافقوا القوات الحكومية كانوا جزءاً من العملية المنفذة تحت السيطرة الفعلية للقوات الحكومية، “وكانت أفعالهم تنسب إلى الدولة”، وأشارت اللجنة إلى أن الدولة لا تزال الجهة المسؤولة الأساسية فيما يتعلق باحترام القانون الدولي لحقوق الانسان وحمايته وتعزيزه وتنفيذه.

وبما أن سوريا ليست دولة طرف في البروتوكول الإضافي لاتفاقيات جنيف، والمتعلق بحماية ضحايا النزاعات المسلحة غير الدولية لعام 1997، فإن الإطار الواجب تطبيقه يكمن في المادة 3 المشتركة بين اتفاقيات جنيف لعام 1949 والقانون الدولي الإنساني العرفي، وفي الوقت نفسه، يظل القانون الدولي لحقوق الإنسان قابل للتطبيق كذلك، إلى جانب الالتزامات المترتبة على الحكومة السورية والتي تنشأ عن الالتزامات التعاهدية والقانون الدولي العرفي، وكما أقرها الإعلان الدستوري للحكومة. (الفقرة 145).

وأكدت إفادات جمعتها اللجنة معاناة جميع السكان ورغبتهم في العيش بسلام ضمن دولة قائمة على سيادة القانون، مع مطالب واسعة بالعدالة والمساءلة واستعادة الأمن والممتلكات، وفي هذا السياق، أعرب العديد من الأفراد، خصوصاً من الضحايا الدروز، عن تفضيلهم لآليات العدالة الدولية بسبب ضعف الثقة بقدرة الحكومة على تحقيق العدالة.