تعتبر الجريمة اعتداءً مزدوجاً يمسّ أمن المجتمع بأسره مثلما يمسّ مصلحة الفرد المتضرر، ومن هنا يبرز دور “الدعوى العامة” كأداة قانونية حصرية بيد الدولة، تمثلها النيابة العامة، لاقتضاء حق المجتمع في معاقبة الجاني وإعادة الانضباط للنظام العام، ولا يمكن للمجتمع أو الأفراد استيفاء هذا الحقّ باليد أو التنفيذ المباشر، بل لابد من اتباع المسار القضائي الذي رسمه قانون أصول المحاكمات الجزائية السوري، والذي يبدأ من لحظة وقوع الجرم ويمر بمراحل التحقيق والمحاكمة وصولاً إلى صدور حكم نهائي يقرر العقوبة المناسبة.
وعلى الرغم من أن الغاية الأساسية للدعوى العامة هي إنزال العقاب وردع الجاني، إلا أن للمتضرر مصلحة جوهرية ومباشرة في تحريكها ومتابعتها؛ فحقّ الضحية في الحصول على التعويض عن الضرر الذي لحق به يظل مرهوناً بإثبات وقوع الجريمة ونسبتها إلى الفاعل. لذلك، لا يكتفي القانون بمنح الضحية دور المراقب، بل يتيح له أن يكون شريكاً فاعلاً في المسار القضائي عبر تقديم الشكوى وسوق الأدلة ومتابعة إجراءات الدعوى العامة خطوة بخطوة، إذ أن نجاح هذه الدعوى في إثبات الجرم يكاد يكون السبيل الوحيد الذي يمكن للمتضرر من خلاله نيل حقوقه الشخصية وجبر الضرر الذي أصابه.
لأجل ذلك، سنستعرض في هذه المقالة المراحل التي تمر بها “دعوى الحق العام”، مع تسليط الضوء على كيفية انخراط الضحية في هذه الإجراءات منذ مراحلها الأولى وحتى صدور الحكم المبرم، لضمان فهم شامل يحمي حقوق المجتمع والضحية على حد سواء.
تمرّ الدعوى العامة بعدة مراحل على النحو التالي:
- مرحلة التحقيق الأولي: تتولى هذه المرحلة الضابطة العدلية (الشرطة)، ومهمتها الأساسية هي التحرك فور تلقي البلاغات أو الشكاوى لجمع الخيوط الأولى للجريمة، حيث يقوم رجال الشرطة باستجواب المشتبه بهم بشكل أولي، وسماع الشهود، وضبط المستندات والأجهزة المستخدمة، والاستعانة بالطب الشرعي، وكل ذلك تحت اشراف النيابة العامة.
أما في حالة الجرم المشهود تتوسع صلاحيات الضابطة العدلية لتشمل بعض سلطات النيابة العامة كالانتقال الفوري الى موقع الجريمة والقبض على الفاعل وتفتيش المنازل والاستماع لإفادات الشهود وتنظيم محاضر الضبط دون انتظار ورود شكوى او احالة من النيابة العامة.
- مرحلة التحقيق الابتدائي: ويقوم بها قضاة التحقيق والإحالة. فبعد إعادة الأوراق إلى النيابة العامة فإنها تقوم بإحالتها الى قاضي التحقيق في حال كانت الجريمة جناية لأن التحقيق في الجنايات إلزامي، وإذا كان الفعل جنحة من اختصاص محكمة بداية الجزاء فالنيابة العامة تقوم باستجواب المدعى عليه، ثم تحيل الملف الى محكمة بداية الجزاء، أما إذا كانت الجنحة من اختصاص محكمة صلح الجزاء فتقوم بإحالة الملف فوراً الى المحكمة دون استجواب.
أما أهمّ معاملات التحقيق الابتدائي وإجراءاته فإنها تنصب بالدرجة الأولى على جمع الأدلة من خلال استجواب المدعى عليه وسماع الشهود وتفتيش الأماكن والأشخاص وإجراء الخبرة. وبنتيجة التحقيقات فإن قاضي التحقيق قد يتوصل إلى اتخاذ قرار بمنع المحاكمة إذا وجد أن الفعل لا يعدّ جريمة أو لا عقاب عليه، أو إن لم يجد أدلة على ارتكابه الجريمة المسندة له، وقد يصدر قراراً بالظن على المدعى عليه وإحالته إلى محاكم الدرجة الأولى (صلح الجزاء، بداية الجزاء) إذا كان الفعل المنسوب إليه مخالفة أو جنحة.
يتم استئناف قرار قاضي التحقيق أمام قاضي الإحالة (باعتباره درجة ثانية في التحقيق) خلال 24 ساعة، وإذا تبين لقاضي الإحالة أن فعل المدعى عليه لا يؤلف جرماً، وأن الأدلة غير كافية لاتهامه قرر منع المحاكمة وإطلاق سراحه ما لم يكن موقوفاً بداع آخر.[1]
أما إذا كان الفعل جناية والأدلة ترجح احتمالية ارتكاب المدعى عليه للفعل فإن قاضي التحقيق يقرر رفع الأوراق لقاضي الإحالة للنظر باتهام المدعى عليه بالجناية، والجنح المتلازمة إن وجدت، وإذا وجد الأخير (قاضي الإحالة) أن الفعل جناية والأدلة كافية على ارتكابها من قبل المدعى عليه فإنه يصدر قراراً باتهامه وإحالته إلى محكمة الجنايات. وإذا وجد ان الفعل لا يؤلف جرما او انه لا توجد أدلة كافية للاتهام فإنه يصدر قراره بمنع المحاكمة وقرار قاضي الإحالة قابل للطعن بالنقض أمام غرفة الإحالة في محكمة النقض.
- مرحلة المحاكمة وصدور الحكم: وتقوم بها المحاكم: إن مرحلة المحاكمة هي المرحلة النهائية التي ستقرر فيها المحكمة إما إدانة المدعى عليه وإما براءته نتيجة المحاكمة، والمحكمة تقضي بالتجريم عند ثبوت الفعل، فتفرض العقوبة المقررة للفعل على المدعى عليه إضافة إلى الإلزاميات المدنية المستحقة للمتضرر من الجريمة في حال تقدمه بادعاء شخصي،[2] في حين تقضي بالبراءة عند انتفاء الأدلة أو عدم كفايتها، وبعدم المسؤولية إذا كان الفعل لا يؤلف جرماً أو لا يستوجب عقاباً.
كيف يمكن للمضرور بدء الدعوى الجزائية؟
1ـ عن طريق تقديم معروض إلى النيابة العامة وطلب إحالته إلى قسم الشرطة المختص لإحضار المشكو منه وتنظيم الضبط الملائم: حيث يتم تنظيم معروض بالحادثة ينصب فيه الشاكي نفسه مدعياً شخصياً ويوجه إلى رئيس النيابة العامة المختص الذي يتبع له مكان وقوع الجريمة أو موطن المدعى عليه، ويتضمن المعروض اسم الشاكي والمشكو منه وعناوينهم، وموضوع الشكوى وهو الجرم المرتكب مع المستند القانوني ، ومن ثم يطلب فيه :
ــ إحالة المعروض إلى رئيس قسم الشرطة المختص لتنظيم الضبط اللازم (يمكن للنيابة العامة أن تحول الادعاء الى المحكمة المختصة فوراً بدون تنظيم ضبط الشرطة اذا لم تجد ضرورة لتنظيمه)،
ــ تحريك الدعوى العامة بحقّ الجهة المشكو منها بالجرم المنصوص عليه حسب النص القانوني المذكور، والمطالبة بالتعويض عن الضرر.
في قسم الشرطة يتم فتح ضبط (تحقيق أولي) لأقوال الشاكي ولسرد ما حدث حيث يتم تسجيل كل اقواله ويفضل ان يكون هناك شهود على الحادثة، وبعدها يتم استدعاء المشكو منه الى المخفر لأخذ أقواله أيضاً. بعد أن يصل الضبط (سواء مع الموقوف أم بدونه) الى النيابة العامة تقوم الأخيرة بدراسته وتوصيف الجرم واحالته الى المحكمة المختصة.
2ــ ادعاء مباشر أمام قاضي التحقيق، إذا كان الفعل جناية، وأمام محكمة صلج الجزاء او بداية الجزاء، إذا كان الفعل جنحة: للنيابة العامة سلطة تقديرية في تحريك الدعوى، فلها ألا تقيم الدعوى العامة رغم وجود ادعاء شخصي إذا كان هناك سبب قانوني يحول دون إقامتها، ويبقى للمتضرر في هذه الحالة مراجعة المحكمة أو قاضي التحقيق مباشرة كل ضمن حدود اختصاصه، إذا كان يعتقد بخطأ وجهة نظر النيابة العامة[3] وإن تقديم الادعاء إلى قاضي التحقيق أو المحكمة مباشرة يجبر النيابة على تحريك الدعوى العامة.[4]
اختصاص المحاكم الجزائية:
أ: محكمة صلح الجزاء: وتختصّ بالنظر في المخالفات والجنح التي تكون عقوبتها الغرامة أو الحبس مدة لا تتجاوز السنة أو بهما معاً.[5]
ب: محكمة بداية الجزاء: تختصّ بالنظر في جميع الجنح التي عقوبتها تتجاوز السنة حبساً.[6]
محكمة استئناف الجنح: تختصّ بالنظر في الأحكام الصادرة عن محاكم الدرجة الأولى والمستأنفة من أحد الخصوم أو من النيابة العامة.
محكمة الجنايات: تختص ّبالنظر في الجنايات المحالة إليها بقرار اتهام صادر عن قاضي الإحالة، ويتسع اختصاصها ليشمل الجنح والمخالفات المتلازمة مع الجناية.[7]
محكمة النقض: تختصّ الدائرة الجزائية في محكمة النقض في الطعون الواقعة على الأحكام والقرارات الصادرة في المواد الجزائية من محكمتي الجنايات والاستئناف. وبعد اكتساب الحكم الدرجة القطعية ونفاذ سُبُل الطعن يكون الحكم قابلاً للتنفيذ ويُحال إلى دائر التنفيذ المختصة لتنفيذه وفق الأصول والقانون.
خاتمة:
إن إلمام الضحية/المضرور بإجراءات إقامة دعوى الحقّ العام ومتابعة مراحلها بدقة، بدءاً من التحقيق الأولي وصولاً إلى صدور الحكم المبرم يشكل ضرورة ملحة، حيث أن فهم اختصاصات المحاكم يضمن التوجه إلى الجهة القضائية الصحيحة، مما يجنب الضحية مخاطر ضياع الحقوق أو تبدد الأدلة وشهادات الشهود بفعل عامل الزمن، فالسير في الإجراءات القانونية السليمة ليس مجرد واجب شكلي، بل هو الضمانة الأساسية لتحقيق العدالة، ومنع التأخير الكبير في جبر الضرر، وضمان إثبات الجرم ونسبة الفعل لفاعله ومحاسبة الجناة بالشكل الذي يحفظ حقوق المجتمع والفرد على حد سواء.
[1] المادة 149 من قانون أصول المحاكمات الجزائية.
[2] المادة 60 من قانون أصول المحاكمات الجزائية.
[3] ( كتاب وزير العدل ٢١٨٥٨ تاريخ ٢٣ / ٢ / ١٩٦١ )
[4] المادة 1 الفقرة 2 من قانون أصول المحاكمات الجزائية السوري
[5] المادة 166 من قانون أصول المحاكمات الجزائية
[6] المادة 169 من قانون أصول المحاكمات الجزائية
[7] المادة 172 من قانون أصول المحاكمات الجزائية