أعادت حادثة مقتل شابة من ريف حلب الجنوبي الى الواجهة ظاهرة ما يُعرف بـ”جرائم الشرف”، بعد أن قُتلت الضحية رغم حصولها على “تعهد عشائري” يضمن سلامتها.

بدأت القصة بعد أن أقدمت الفتاة على الهروب من منزل عائلتها في ريف حلب الجنوبي برفقة شاب ينتمي إلى عشيرة أخرى، بنية الزواج والضغط على عائلتها للموافقة، الأمر الذي تسبب باندلاع خلاف بين العشيرتين، بعد ذلك قام أهلها بخطف ثلاثة شبان من عشيرة الشاب، ما استدعى تدخل الوجهاء وعقد مجلس عشائري لحل المشكلة.

خلال المجلس تعهد والد الفتاة (والذي ظهر خلال مقطع فيديو تم تداوله على مواقع التواصل الاجتماعي). بإطلاق سراح الشبان ومسامحة ابنته وضمان حمايتها وأعلن أنه قرر تزويجها من ابن عمها، رغم الضمانات التي قُدمت خلال جلسة الصلح، انتهت القضية بشكل مأساوي، إذ قُتلت الشابة في 8 آذار/مارس، على يد شقيقها بذريعة أنها جلبت «العار» للعائلة.

تنتشر جرائم القتل بذريعة الشرف في سوريا في مناطق مختلفة، وقد ساهم بارتفاع نسبتها الفلتان الأمني وغياب سيادة القانون وانتشار السلاح العشوائي، بالإضافة إلى انتشار ثقافة العنف ضد النساء والتطبيع معها.

لم يطلق القانون السوري مصطلح “جرائم الشرف” على الجرائم من هذا النوع، إنما هو مصطلح متعارف عليه بين الناس، ويمكن تعريفها بأنها : جرائم قتل يتم ارتكابها من قِبَل أحد أفراد أسرة ما من الذكور، بحق امرأة أو فتاة، من نفس الأسرة، بسبب قيامها بفعل ما يمسّ بسمعة العائلة، كإقامة علاقات غير شرعية أو خارج إطار الزواج، أو الزواج بدون موافقة العائلة، وأحياناً لمجرّد الشبهة، لأن هذا الفعل حسب اعتقاد الفاعل يلحق العار بالعائلة، و”غسل هذا العار” يكون بقتل الضحية.

موقف المشرع السوري من القتل بذريعة الشرف:

كان قانون العقوبات السوري الصادر بالمرسوم التشريعي رقم 148 لعام 1949 يمنح القاتل بدافع ما يسمى “الشرف” عذرأ محلاً وإعفاءً كاملاً من العقوبة إذا فاجأ زوجته أو قريبته في “حالة الزنا المشهود” أو في صلات جنسية فحشاء مع شخص آخر فأقدم على قتلهما أو ايذائهما أو على قتل أو إيذاء أحدهما، بغير عمد وترصد، وفقاً للمادة (548) من قانون العقوبات السوري.

وفي عام 2009 عُدّل نص المادة 548 ليعاقب الفاعل بالحبس مدة لا تقل عن سنتين في القتل. وفي عام 2011 صدر المرسوم التشريعي رقم (1) الذي ألغى النص السابق، ونص على عقوبة الحبس من خمس إلى سبع سنوات في الحالات التي يُستفاد فيها من العذر المخفف. إلى أن ألغيت هذه المادة نهائياً عام 2020 بموجب  القانون رقم 2.

إن إلغاء هذه المادة يعني عدم منح أي عذر قانوني خاص لتخفيف العقوبة لمرتكبي هذا النوع من الجرائم، ومحاسبتهم وفق الأحكام القانونية المطبقة على جرائم القتل الأخرى.  وبالتالي ُيحاسَب مرتكب الجريمة على أساس القتل عمداً (إذا ما ارتكبت الجريمة بناء على تخطيط وتفكير مسبقين) أو قصداً (إذا كان فعل القتل وليد اللحظة)، وذلك استناداً إلى المواد من 533 حتى 535 من قانون العقوبات السوري. وقد تصل العقوبة إلى الإعدام أو السجن المؤبد، علماً أن الفقرة الثالثة من المادة 535 شددت عقوبة القتل قصداً إلى الإعدام عندما تُرتكب بحق أحد أصول القاتل أو فروعه. وتقرر المحكمة الحكم النهائي وفقاً لظروف كل قضية بعد التحقيق والاستماع إلى الشهود ودراسة ملابسات القضية.

تكمن المشكلة في أن قانون العقوبات السوري مازال يفتح منفذاً لتخفيف العقوبة في الجرائم المرتكبة بذريعة الشرف عن طريق نص المواد 192 و 243 و 242 فقد يلجأ بعض القضاة إلى الاعتماد على تلك المواد التي تتيح تخفيف العقوبة عند توافر أسباب معينة كالمادة 192 التي تبيح تخفيف العقوبة عند توافر الدافع الشريف والذي عرّفته محكمة النقض بأنه “عاطفة نفسية جامحة تسوق الفاعل إلى ارتكاب جريمته تحت تأثير فكرة مقدسة لديه“.[1]

وهو تعريف غامض وفضفاض، يُعطي هامشاً واسعاً للتقدير القضائي، ما يسمح بإضفاء شرعية ضمنية على أعمال العنف والانتقام باسم الشرف. أو المادة 242 التي تسمح بتخفيف العقوبة إذا ارتكب الفعل بثورة غضب شديد، أو المادة 243 التي تبيح تخفيف العقوبة في حال توافرت ظروف خاصة متعلقة بالواقعة وتسمى بالأسباب المخففة التقديرية.

وتميل المحاكم غالباً إلى تطبيق مواد القانون التي تمنح الجاني عقوبات مخففة في جرائم “غسل العار”، من خلال التوسع في البحث عن ‘الدافع الشريف’ وإيجاد أسباب مخففة للفعل، فسلوك البشر وقراراتهم هي في النهاية نتاجٌ لمنظومة قيمية صاغتها العادات والتقاليد الموروثة، والقضاة، كأبناء لهذا المجتمع، ليسوا بمعزلٍ عن التأثر بهذه المنظومة التي تلقي بظلالها على أحكامهم وتصوراتهم.

تحريك الدعوى العامة بحق الجاني:

تعتبر جريمة القتل، بما فيها القتل بذريعة الشرف، من الجرائم التي تخضع للنظام العام، وفق القواعد العامة في القانون السوري فبمجرد علم السلطات المختصة بوقوع الجريمة، سواء عبر إبلاغ أو عبر التحريات، يوجب عليها تحريك الدعوى العامة مباشرة، دون حاجة لشكوى أو ادّعاء شخصي. حيث يتم تحريك الدعوى من قبل النيابة العامة وفقاً للإجراءات المنصوص في قانون أصول المحاكمات الجزائية.

خاتمة:

على الرغم من تعديل قانون العقوبات السوري وإلغاء العذر المخفف بالنسبة للجرائم المرتكبة بذريعة الشرف، فإنه لم يكن حلاً كافياً للحد من انتشار هذه الظاهرة، مالم يطبق بشكل فعلي داخل المؤسسات القضائية، عن طريق صدور اجتهادات قضائية تؤكد على التعامل مع جرائم القتل المرتكبة بذريعة “الشرف” بوصفها جرائم قتل كاملة الأركان، دون أي اعتبارات اجتماعية أو أعذار مخففة، وتعرِّف الدافع الشريف بشكل واضح لا التباس فيه مما لا يسمح بالاستناد اليه لتخفيف العقوبة عن مرتكبي هذه الجرائم، وتغيير تسمية عبارة “جريمة الشرف” المتعارف عليها في المجتمع والغير موجودة أصلا في القانون، لأن تسمية هذه الجنايات بجرائم الشرف يعطي انطباعًا بأن مرتكبيها يدافعون عن الشرف و يضفي على القتل طابعاً تبريرياً، وتحوّل الضحية من شخص له حق الحياة إلى شخص مجرد من هذا الحق.

 كما يحتاج الحدّ من انتشار هذه الجرائم، إلى خلق قيم اجتماعية جديدة، وهنا يأتي دور منظمات المجتمع المدني في تكثيف جهودها بالتعاون مع الاعلام لتنظيم محاضرات وندوات توعوية لاسيما في القرى والبلدات التي تكثر فيها هذه الجرائم بهدف تغيير الثقافة التي تبرر التمييز والنظرة الدونية للمرأة، وإدماج مفاهيم المساواة وحقوق الإنسان مع التركيز على مناهضة العنف القائم على النوع الاجتماعي، وتعريفهم بالقوانين والعقوبات المتعلقة بجرائم القتل.

كما يقع على عاتق الحكومة الانتقالية في سوريا الحد من انتشار السلاح العشوائي الذي يجعل إمكانية الإقدام على هذه الجرائم أسهل، كما يتوجب عليها إيلاء الاهتمام اللازم بالتحقيق في هذا النوع من الجرائم، والتعامل معها على أنها جريمة قتل كاملة الأركان وشديدة الخطورة وليس كشأن عائلي، وتجريم كل أشكال العنف ضد المرأة وسد الثغرات القانونية المتبقية التي تسمح بتخفيف العقوبة في حال ارتكاب الجاني لجريمته تحت “ذريعة الشرف” والتي تجعل الإجرام في حق النساء سهلاً وتمكن الجناة من الإفلات من العقوبة.

[1] قرار 16 / 1983 – أساس 2 – محكمة النقض – الدوائر الجزائية – سورية. قاعدة 153 – م. القانون 1983 – اصدار 05 و 6 –