1. مقدمة:
يواجه القضاء السوري اليوم مهمة تحويل أكثر من خمسة عشر عاماً من الشهادات والوثائق والصور والسجلات إلى ملفات جنائية متماسكة ومدعومة بأدلة كافية، بما يتيح إجراء محاكمات عادلة وتحديد مسؤولية أشخاص بعينهم.
ولا تتعلق هذه المواد بأفعال فردية متفرقة وحدها، فقد وثقت لجان وهيئات أممية مستقلة أنماطاً من القتل والتعذيب والاختفاء القسري والعنف الجنسي والهجمات على المدنيين، وخلصت في وقائع متعددة إلى وقوع جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية ارتكبتها جهات مختلفة. كما خلصت تلك اللجان إلى أن تنظيم داعش ارتكب إبادة جماعية بحق الإيزيديين.
ويقوم توصيف هذه الأفعال كجرائم دولية على شروط قانونية تتجاوز إثبات الفعل نفسه. فترتبط جرائم الحرب بنزاع مسلح، ويجب إثبات وجود صلة بين الفعل وذلك النزاع. وتقوم الجرائم ضد الإنسانية عندما تُرتكب أفعال محددة، مثل القتل أو التعذيب أو الاختفاء القسري، ضمن هجوم واسع النطاق أو منهجي موجه ضد السكان المدنيين. وتتطلب الإبادة الجماعية إثبات قصد خاص بتدمير جماعة قومية أو إثنية أو عرقية أو دينية، كلياً أو جزئياً. لذلك يجمع إثبات هذه الجرائم بين الفعل الذي تعرضت له الضحية والسياق الأوسع الذي وقع فيه.
وتزداد هذه المهمة تعقيداً بسبب اتساع الانتهاكات وتعدد الجهات التي ارتكبتها. فقد وقعت في مناطق وفترات مختلفة، وشاركت فيها أجهزة أمنية ووحدات عسكرية وجماعات مسلحة ذات هياكل وطرق قيادة متباينة. وزاد من هذا التعقيد تعدد الدول والقوات والجماعات المسلحة المتدخلة، وتشابك علاقات القتال والدعم بينها، مما يصعّب تحديد مسؤولية كل جهة والقواعد القانونية المنطبقة على أفعالها. ويحتاج بناء القضايا إلى إثبات ما تعرضت له الضحية، ثم ربط الوقائع المتفرقة بأنماط الانتهاكات والأوامر وانتشار الوحدات وسجلات الاتصال وتسلسل القيادة، مع توفير ضمانات المحاكمة العادلة للمتهمين.
تسرد هذه الورقة توصيات عملية لتمكين القضاء السوري من التحقيق في الجرائم الدولية ومحاكمة المسؤولين عنها بكفاءة واستقلال، بما يشمل تطوير الخبرة في بناء الملفات وإدارة الأدلة وتحليل مسؤولية القيادات، وتعزيز استقلال المحاكم والنيابة العامة، وضمان استناد التعيينات القضائية إلى معايير الكفاءة والنزاهة. وتستخدم محاكمة عاطف نجيب مثالاً على الصعوبات التي ظهرت في أولى المحاكمات المرتبطة بجرائم النظام السابق خلال المرحلة الانتقالية.
2. لماذا تحتاج محاكمة الجرائم الدولية إلى خبرة خاصة؟
تظهر طبيعة الخبرة المطلوبة عند الانتقال من إثبات فعل المنفذ المباشر إلى تحديد مسؤولية من خطط للجريمة أو أصدر الأمر بها، أو كان قادراً على منعها أو وقفها ولم يفعل. فقد يظهر عنصر أمني في تسجيل وهو يطلق النار على مدني، فيساعد التسجيل على إثبات هويته والفعل الذي ارتكبه.
أما التحقيق في مسؤولية قائد وحدته فيقتضي جمع أدلة أوسع تجيب عن أسئلة عدة: من أمر بنشر الوحدة؟ وما التعليمات التي تلقتها؟ وهل تكررت أفعال مشابهة؟ وما المعلومات التي وصلت إلى القائد؟ وهل كانت لديه القدرة الفعلية على منع الانتهاكات أو وقفها؟ وما الإجراءات التي اتخذها بعد وقوعها؟
تأتي الإجابة عن هذه الأسئلة من مصادر متعددة، تشمل الأوامر وسجلات العمليات والاتصالات وتقارير الوحدات وشهادات الأشخاص الذين يعرفون طريقة عمل المؤسسة. ويحتاج جمعها إلى خطة تحقيق تحدد الجريمة المحتملة وعناصرها، ودور كل مشتبه به، والأدلة اللازمة لإثبات كل عنصر.
يتطلب بناء هذه القدرة وضع برامج تدريب عملي للقضاة والمدعين والمحققين، تتناول تصنيف النزاع وإثبات صلة الفعل به، وتحليل أنماط الانتهاكات وسياقها، وفهم الهياكل العسكرية والأمنية، وقراءة الوثائق التنظيمية، وربط الأدلة المتعددة ببعضها. ويجب أن يشمل التدريب فحص أساس معرفة الشاهد والتمييز بين ما رآه أو سمعه مباشرة وما استنتجه أو نقله عن الآخرين. كما ينبغي إنشاء فرق تحقيق متعددة الاختصاصات، ووضع آلية ثابتة تمكّن القضاء والنيابة من الاستعانة بخبراء الأدلة الرقمية والطب الشرعي والتحليل العسكري بحسب احتياجات كل قضية.
خلال سنوات النزاع، لم تتكوّن داخل القضاء السوري ممارسة متراكمة في التحقيق في الجرائم الدولية والفصل فيها. وكان السبب الأساسي غياب الإرادة السياسية لدى النظام السابق لمحاسبة أجهزته ومسؤوليه عن الانتهاكات، إلى جانب عمل القضاء ضمن بنية افتقرت إلى الاستقلال عن السلطة التنفيذية، ووجود محاكم استثنائية أدت دوراً رديفاً للأجهزة الأمنية، إضافة إلى عدم النص على هذا النوع من الجرائم في التشريعات السورية، وفي هذه البيئة، لم تُتح للقضاة والمدعين والمحققين فرصة بناء خبرة عملية في هذا النوع من القضايا، كما لم تُطوَّر التشريعات والبرامج التدريبية وآليات التعاون مع الخبراء اللازمة لمعالجتها. ولذلك يواجه القضاء السوري بعد سقوط النظام السابق ملفات معقدة، في وقت ما تزال فيه إجراءات التحقيق وحفظ الأدلة والاستعانة بالخبراء وكتابة الأحكام في هذا المجال قيد البناء.
3. محاكمة عاطف نجيب وإدارة الأدلة:
مثّلت محاكمة عاطف نجيب، الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا، اختباراً عملياً مبكراً لقدرة القضاء السوري على إدارة قضية ترتبط بانتهاكات واسعة ومسؤولية قائد أمني رفيع. بدأت المحاكمة أمام محكمة الجنايات الرابعة بدمشق في 26 نيسان/أبريل 2026، وقد خُصصت هذه الدائرة للنظر في قضايا مرتبطة بانتهاكات النظام السابق، ضمن القضاء الجزائي العادي. وفي 11 آب/أغسطس 2026 حكمت المحكمة عليه بالإعدام. وبحسب الخبر الرسمي، اعتبرت المحكمة أنه قاد الحملة الأمنية على المدنيين في درعا، ووصفت الأفعال المنسوبة إليه بأنها جرائم ضد الإنسانية.
أظهرت مراقبة الإجراءات العلنية اعتماداً كبيراً على شهادات الشهود ضمن المواد التي عُرضت أمام الجمهور، مع حضور محدود للأدلة الوثائقية التي يمكن أن تؤيد الشهادات أو تكشف دور المتهم، مثل الأوامر وسجلات العمليات والاتصالات، وكذلك لأدلة الخبراء، مثل تقارير فحص المواد الرقمية أو تحليل هياكل الأجهزة الأمنية. وخلال المحاكمة، نسب خمسة شهود إلى نجيب إصدار أوامر بإطلاق النار أو ممارسة سلطة عملياتية، غير أن أسئلة المحكمة لم تستوضح كيف عرف الشاهد هوية الفاعلين أو تبعيتهم، أو أين كان عندما سمع الأمر المنسوب إلى نجيب، وما إذا كان في موقع يسمح له بسماعه مباشرة.
واستمعت المحكمة إلى نحو ثمانية عشر شاهداً خلال تسعين دقيقة، من دون إتاحة فرصة فعلية للمتهم أو محاميه لسؤالهم. وذكر المركز السوري للعدالة والمساءلة أن المحكمة “أخفقت في ضمان قدرة نجيب على متابعة الأدلة المقدمة ضده والرد عليها. فلم يُسمح لنجيب ولا لمحاميه بطرح أسئلة على الشهود، وعندما ذكر نجيب أنه لم يسمع جزءً من إجابة أحد الشهود وطلب تكرارها، لم تستجب المحكمة لطلبه”. وقد حدّت سرعة الاستماع إلى الشهود والقيود المفروضة على طرح الأسئلة من إمكان توضيح تفاصيل رواياتهم وفحص موثوقيتها والتناقضات المحتملة فيها، كما قيّدت قدرة الدفاع على مواجهة الأدلة المقدمة ضده. ويساعد الفحص الدقيق للشهادات على تثبيت روايات الضحايا في السجل القضائي بصورة أقوى وأقدر على الصمود أمام الطعن.
ولم يتضمن الخبر الرسمي النص الكامل للحكم أو أسبابه، مما يحد من إمكان معرفة كيفية تقييم المحكمة للشهادات والأدلة، وتحديد الأساس القانوني للإدانة والعقوبة، وربط أفعال المتهم بالجرائم المنسوبة إليه. ويساعد نشر الأحكام المعللة القضاة والمحامين على مراجعة الاجتهاد الجديد وتطويره، ويشكل جزءاً أساسياً من بناء الخبرة القضائية في محاكمة الجرائم الدولية.
4. الخبرة الفنية في الأدلة ومقابلة الضحايا:
أظهرت محاكمة عاطف نجيب أهمية فحص الشهادات وتدعيمها بأدلة أخرى تساعد على تحديد الوقائع ودور كل متهم. وتتطلب هذه المهمة أيضاً خبرة في التعامل مع الأدلة الرقمية، وصور الأقمار الصناعية، وسجلات الاتصالات والمشافي ومراكز الاحتجاز. وتختلف القيمة الإثباتية للمواد الرقمية بحسب مصدرها، والصيغة التي حُفظت بها، وطريقة الحصول عليها ومعالجتها. فقد تفقد الصور والمقاطع المصورة والتسجيلات والرسائل الإلكترونية، عند نسخها أو ضغطها أو تعديلها، معلومات تساعد على تحديد وقت إنشائها ومكانها والجهاز المستخدم في إنتاجها. ولهذا يتطلب التحقيق في الأدلة الرقمية حفظ النسخة الأصلية متى أمكن، وتوثيق مصدر الدليل وبياناته الوصفية وسلسلة حيازته. وتعني “سلسلة الحيازة” تسجيل الأشخاص الذين تسلموا الدليل، ومكان حفظه، وأي تغيير طرأ عليه منذ جمعه حتى عرضه أمام المحكمة. ويحتاج تحليل هذه المعلومات إلى خبير يشرح للمحكمة طريقة التحقق وحدود النتائج، مع تمكين الدفاع من فحصها والطعن فيها.
وتحتاج مقابلة ضحايا التعذيب والعنف الجنسي والاختفاء القسري إلى خبرة مختلفة. فقد تؤثر الصدمة في قدرة الضحية على ترتيب الوقائع أو روايتها كاملة خلال مقابلة واحدة، كما قد يخشى الانتقام أو الوصمة. ويساعد التدريب على طرح أسئلة واضحة وتجنب الأسئلة الموجهة وتكرار المقابلات بلا ضرورة، مع حماية خصوصية الضحية وسلامتها.
ويعتمد تحويل هذه المهارات إلى قدرة مؤسسية على اعتماد إجراءات موحدة لجمع الأدلة وحفظها، وتوفير خبراء مستقلين، وتدريب القضاة والمدعين والمحققين، وإنشاء برنامج فعّال لحماية الضحايا والشهود وأسرهم.
5. استقلال القضاء وكفاءته:
ترتبط جودة التحقيق باستقلال الجهات التي تتخذ قراراته، ولا سيما عندما تتطلب القضية الوصول إلى سجلات أجهزة أمنية أو استدعاء قائد أو مسؤول حكومي. فالنيابة تحدد الملفات التي تحقق فيها والأشخاص الذين تستدعيهم والأدلة التي تطلبها، ويجب أن تتخذ هذه القرارات وفق القانون والأدلة، بعيداً عن ضغط السلطة التنفيذية أو السعي إلى نتيجة سياسية سريعة.
تنص المادة 43 من الإعلان الدستوري لعام 2025 على استقلال السلطة القضائية، فيما أبقت المادة 51 القوانين النافذة سارية إلى أن تعدل أو تلغى. ونتيجة لذلك، استمر تنظيم مجلس القضاء الأعلى وفق قانون السلطة القضائية رقم 98 لعام 1961. وتنص المادة 65 منه على أن يرأس رئيس الجمهورية المجلس وينوب عنه وزير العدل، إلى جانب رئيس محكمة النقض ونائبيه الأقدمين، ومعاون وزير العدل، والنائب العام، ورئيس إدارة التفتيش القضائي. ويمنح هذا التشكيل السلطة التنفيذية موقعاً مباشراً في قمة المؤسسة التي تؤثر في تعيين القضاة ونقلهم وترقيتهم وتأديبهم. وتزداد خطورة هذا التداخل عندما تنظر المحاكم في أفعال منسوبة إلى الجيش أو الأمن أو مسؤولين في الدولة.
ويمتد هذا الارتباط إلى النيابة العامة. فالمادة 10 من قانون أصول المحاكمات الجزائية تضع قضاة النيابة ضمن تسلسل إداري يتبع وزير العدل، وتلزمهم في معاملاتهم ومطالباتهم الخطية باتباع أوامر رؤسائهم أو الوزير. كما تجيز المادة 22 للنائب العام تحريك الدعوى العامة من تلقاء نفسه أو بناءً على أمر من وزير العدل. وقد تؤثر هذه البنية في استقلال قرار النيابة بشأن فتح التحقيق وتوسيعه، خاصة عندما تكون الجهة التي تملك الأدلة أو الشخص الخاضع للتحقيق جزءاً من السلطة التنفيذية.
وتكتمل صورة الاستقلال المؤسسي بالمحكمة الدستورية العليا، التي قد تنظر مستقبلاً في دستورية قانون الجرائم الدولية، ولا سيما تعريفاته وعقوباته ومدى جواز تطبيق أحكامه على أفعال وقعت قبل صدوره، في ضوء مبدأ الشرعية، أي عدم إدانة شخص بجريمة أو معاقبته بعقوبة لم تكن مقررة وقت ارتكاب الفعل. وتنص المادة 47 من الإعلان الدستوري على محكمة من سبعة أعضاء يسميهم رئيس الجمهورية جميعاً. وفي 7 تموز/يوليو 2026، أصدر الرئيس الانتقالي المرسوم رقم 149، فعيّن رئيس المحكمة وأعضاءها الستة وحدد مهامها المؤقتة إلى حين صدور القانون المنظم لعملها. وتشمل هذه المهام الرقابة على دستورية القوانين والأنظمة، وإبداء الرأي في دستورية مشروعات واقتراحات القوانين، وتفسير الإعلان الدستوري. ويجمع هذا الترتيب تعيين جميع الأعضاء وتحديد اختصاصاتهم المؤقتة في مرسوم صادر عن رئيس الجمهورية، من دون مشاركة جهة قضائية مستقلة في الاختيار. ويؤثر ذلك في ضمانات حياد المحكمة عندما تراجع قوانين أو قرارات ترتبط بالسلطة التي عينت أعضاءها. هذا بالإضافة إلى عدم توافق المرسوم 149 مع المادة 47 من الإعلان الدستوري التي حددت عدد أعضاء المحكمة بسبعة وليس بستة، كما أن هذا العدد الزوجي قد يعيق إصدار بعض القرارات عن المحكمة الدستورية في حال انقسام الأعضاء مناصفة (اتفاق كل ثلاثة على رأي مختلف).
وترتبط الاستقلالية أيضاً بمعايير التعيين والكفاءة. يشترط قانون السلطة القضائية إجازة في الحقوق لتولي القضاء، ويحدد الخبرة المطلوبة لرئاسة محكمة النقض. وقد وثقت سوريون من أجل الحقيقة والعدالة تعيين رئيس لمحكمة النقض من خارج الفئات التي حددها القانون ومن دون إجازة في الحقوق. كما وثق تقرير لاحق تعيين عميد للمعهد العالي للقضاء من دون إجازة في الحقوق أو الدرجة القضائية التي يتطلبها قانون المعهد. وأشارت لجنة التحقيق الدولية في آذار/مارس 2026 إلى تعيين أشخاص يفتقرون إلى المؤهلات القانونية في رئاسة عدة محاكم.
وتنعكس هذه التعيينات مباشرة على بناء الخبرة القضائية. فرئيس محكمة النقض يؤدي دوراً في توحيد تفسير القانون، والمعهد العالي للقضاء مسؤول عن إعداد القضاة، والمحكمة الدستورية تراقب الأساس القانوني الذي تعمل ضمنه المحاكم. ويحتاج التعامل مع الجرائم الدولية إلى مؤسسة تختار شاغلي هذه المواقع وفق معايير معلنة للكفاءة والخبرة والنزاهة، وتحمي قرارات القضاة والمدعين العامين من تدخل السلطة التنفيذية.
6. أثر القصور على الضحايا والمتهمين والمجتمع:
يؤثر ضعف الخبرة والاستقلال في نطاق العدالة التي يمكن أن تحققها المحاكم. فقد تتركز الملاحقات على المنفذين الذين تظهر أفعالهم في الشهادات أو المقاطع المصورة، بينما يبقى دور القادة وأصحاب القرار خارج التحقيق. وقد تُختار بعض القضايا أو تُستبعد وفق اعتبارات سياسية عندما لا تملك النيابة والقضاء الضمانات الكافية للعمل باستقلال. وفي الحالتين، لا يحصل الضحايا إلا على جزء من الحقيقة، لأن الأحكام لا تكشف كيف نُظمت الانتهاكات، ومن أصدر الأوامر أو سمح باستمرارها، ولماذا فشلت المؤسسات في منعها.
ويتضرر المتهم أيضاً عندما تكون الجريمة أو صور المسؤولية غير محددة بوضوح، أو تُفحص الأدلة بسرعة، أو لا تتاح له فرصة فعالة لمناقشة الشهود والخبراء والطعن في المواد الرقمية. ولا تمثل ضمانات المحاكمة العادلة عائقاً أمام المساءلة، فهي شرط لقوتها ومصداقيتها. فالحكم الصادر عن محكمة مستقلة، استناداً إلى تهمة واضحة وأدلة خضعت للفحص، يكون أقدر على الصمود أمام الطعن وعلى إقناع الضحايا والمجتمع بعدالته.
وتؤثر نوعية المحاكمات أيضاً في إصلاح المؤسسات ومنع تكرار الانتهاكات. فكشف طريقة إصدار الأوامر وتدفق المعلومات وأسباب فشل الرقابة يساعد على تحديد القواعد والممارسات التي تحتاج إلى تغيير. وقد تترك إدانة أفراد متفرقين هذه البنية المؤسسية قائمة إذا لم تصل التحقيقات إلى الأنماط الأوسع ومستويات المسؤولية المختلفة. لذلك لا تقاس قيمة المحاكمة بعدد المدانين وحده، وإنما بقدرتها على كشف الحقيقة، وحماية حقوق جميع الأطراف، والمساهمة في إصلاح المؤسسات التي سمحت بوقوع الانتهاكات.
7. ما الذي يجب فعله ليتمكن القضاء السوري من محاكمة الجرائم الدولية؟
تحتاج هذه المهمة إلى خطوات تشريعية وقضائية مترابطة:
- وضع أساس قانوني واضح للمحاكمات: ينبغي إصدار قانون وطني يعرّف جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية، ويحدد أركانها وعقوباتها وقواعد مسؤولية القادة والاختصاص القضائي بها. ويجب أن يبيّن الأساس القانوني لملاحقة الأفعال التي وقعت قبل صدوره، والعقوبات التي يجوز تطبيقها، بما يحترم مبدأ الشرعية. وينبغي أن تسري قواعد المساءلة على الجرائم السابقة واللاحقة لسقوط النظام، أياً كانت الجهة المسؤولة عنها.
- تخصيص قضاة وفرق تحقيق مؤهلة: تُنشأ دوائر متخصصة داخل المحاكم العادية ووحدات مؤهلة في النيابة والتحقيق، مع تحديد اختصاص كل منها وعلاقتها بالجهات القضائية الأخرى. ويُختار أعضاؤها وفق معايير معلنة للكفاءة والخبرة والنزاهة، ويُتاح لهم الاستعانة بخبراء مستقلين في الطب الشرعي والأدلة الرقمية والعنف الجنسي وتحليل الهياكل العسكرية والأمنية والقانون الجنائي الدولي.
- بناء الخبرة وحماية حقوق أطراف القضية: يحتاج القضاة والمدعون والمحققون إلى تدريب مستمر على قضايا عملية، وإلى إجراءات موحدة لجمع الأدلة المادية والرقمية وحفظها. ويجب توفير برنامج فعّال لحماية الضحايا والشهود وأسرهم، وإطلاع الضحايا على سير القضايا التي تخصهم وتمكينهم من عرض مطالبهم وفق إجراءات تراعي سلامتهم وخصوصيتهم. وفي المقابل، يجب ضمان حصول المتهم على محامٍ منذ بداية التحقيق، وعلى الوقت والوسائل اللازمة لإعداد دفاعه ومناقشة الأدلة المقدمة ضده.
- إعلان معايير اختيار القضايا: تضع النيابة معايير عامة تشرح كيف تحدد أولوياتها، مع حماية المعلومات التي قد يضر كشفها بالتحقيق. وتشمل هذه المعايير خطورة الجريمة، وحجم الضرر، ومستوى مسؤولية المشتبه فيهم، وقوة الأدلة، مع مراعاة تنوع الانتهاكات والمناطق والفئات المتضررة. ويمكن البدء بملفات تتوافر فيها أدلة قوية، مع مواصلة التحقيق في القضايا الأكثر تعقيداً المتعلقة بالقادة والمؤسسات.
- حماية استقلال القضاء والنيابة: يتطلب ذلك إعادة تشكيل مجلس القضاء الأعلى بما يفصل قيادته عن السلطة التنفيذية، وضمان استقلال النيابة العامة، واعتماد آلية مستقلة تشارك فيها جهات متعددة لاختيار أعضاء المحكمة الدستورية. ويجب مراجعة التعيينات التي لم تستوفِ شروط التأهيل القانونية، وإخضاع تعيين القضاة ونقلهم وترقيتهم وتأديبهم لمعايير موضوعية وقرارات معللة قابلة للمراجعة.
يتوقف تنفيذ هذه الخطوات على إرادة سياسية تتيح للقضاء العمل باستقلال ومساءلة المسؤولين عن الجرائم أياً كانت مواقعهم. فالقانون يحدد ما يمكن ملاحقته، لكن قدرة القضاء على بناء قضايا عادلة وكشف الحقيقة وحماية حقوق الضحايا والمتهمين هي ما يمنح الأحكام قوتها وثقة السوريين بها.