1. مقدمة:

منذ عام 2011، وثّقت عشرات منظمات المجتمع المدني السورية والدولية، إلى جانب هيئات أممية مستقلة، من بينها لجنة التحقيق الدولية بشأن سوريا، انتهاكات ممنهجة وجسيمة، ارتكبتها أطراف متعددة، شملت القتل والتعذيب والاختفاء القسري والتهجير والعنف الجنسي والنهب وتدمير الممتلكات، وقعت غالباً ضمن أنماط واسعة النطاق واستهدفت المدنيين بشكل أساسي.

يملك القضاء السوري، من حيث المبدأ، صلاحية ملاحقة العديد من الأفعال والانتهاكات المذكورة استناداً إلى قانون العقوبات العام رقم 148 لعام 1949 وقوانين جزائية خاصة، مثل القانون رقم 16 لعام 2022 لتجريم التعذيب، لكن بوصفها جرائم جزائية عادية (تحصر الملاحقة بالمنفذين المباشرين)، وليس بوصفها جرائم دولية؛ وهذه الأخيرة أفعال بالغة الخطورة تنتهك قواعد القانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان (مثل جرائم الحرب وجرائم ضدّ الإنسانية والإبادة الجماعية)، وتُشكل تهديداً للمجتمع الدولي بأسره.

من هنا تبرز أهمية بحث ما إذا كانت الانتهاكات التي وقعت في سوريا ترقى إلى جرائم دولية؟ حيث أنّ هذا التوصيف يربط الوقائع الفردية بسياق أوسع، مثل صلتها بنزاع مسلح أو وقوعها ضمن هجوم واسع النطاق أو منهجي ضد السكان المدنيين، ويتيح فحص أنماط الانتهاكات والسياسات المؤسسية وتسلسل القيادة. كما يمنح الضحايا اعترافاً قانونياً أدق بطبيعة ما تعرضوا له، ويساعد الأحكام على كشف كيفية تنظيم الانتهاكات والجهات التي أمرت بها أو سمحت باستمرارها، بما يدعم جبر الضرر وإصلاح المؤسسات ومنع تكرارها.

ويتطلب تطبيق هذا التوصيف إصلاح التشريع الجزائي السوري، بحيث يعرّف جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية، ويحدد عناصرها وعقوباتها وصور المسؤولية عنها وقواعد الاختصاص بها.

وقد بدأت بالفعل محاكمات تتعلق بانتهاكات ارتُكبت خلال حكم النظام السابق استناداً إلى جرائم منصوص عليها في القانون السوري، مع الاستعانة باتفاقيات دولية والقانون الدولي العرفي وتعريفات نظام روما لتوصيف بعض الأفعال (رغم أن سوريا لم تصادق عليه)، كما ظهر في محاكمة عاطف نجيب.

ويمكن للقانون الدولي العرفي أن يساعد على إثبات أن بعض الأفعال كانت تُعد جرائم دولية وقت ارتكابها، لكنه لا يحسم وحده الأساس القانوني الوطني للإدانة والعقوبة أو تطبيق صور للمسؤولية وهو ما لم ينص عليها القانون السوري، وهو ما يثير إشكالاً في ضوء مبدأ الشرعية، الذي يقتضي ألا يُدان شخص بجريمة أو يُعاقب بعقوبة لم تكن محددة قانوناً وقت ارتكاب الفعل.

تشرح هذه الورقة لماذا يحتاج التشريع السوري إلى إصلاح يمكّن القضاء من التعامل مع أخطر الجرائم المرتكبة في سوريا ضمن سياقها الكامل، من خلال تعريف الجرائم الدولية وتحديد أركانها وعقوباتها وصور المسؤولية عنها. كما تبين أثر غياب هذا الإطار في حقوق الضحايا، ولا سيما حقهم في معرفة الحقيقة والحصول على إنصاف يعكس جسامة الانتهاكات التي تعرضوا لها.

2. ما الذي يجعل الجريمة “جريمة دولية”؟

يقصد بالجرائم الدولية الجرائم الأشد خطورة التي يجرّمها القانون الدولي وتترتب عليها مسؤولية جنائية فردية، وتشمل جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية.

يختلف إثبات هذه الجرائم عن الجرائم العادية، لأن وصفها القانوني يقوم على طبيعة الفعل والسياق الذي وقع فيه معاً. فإلى جانب إثبات القتل أو التعذيب أو غيرهما من الأفعال، يجب إثبات شروط إضافية، مثل صلة الفعل بنزاع مسلح في جرائم الحرب، أو وقوعه ضمن هجوم واسع النطاق أو منهجي ضد السكان المدنيين في الجرائم ضد الإنسانية، أو اقترانه بقصد تدمير جماعة محمية في جريمة الإبادة الجماعية.

ترتبط جريمة الحرب بنزاع مسلح؛ فقتل شخص يمكن أن يشكل جريمة قتل وفق القانون الوطني. وقد يأخذ وصف جريمة حرب عندما يكون الضحية شخصاً يحميه القانون الإنساني، ويقع القتل في سياق نزاع مسلح وتكون له صلة بذلك النزاع. لذلك يحتاج القاضي إلى تحديد وجود النزاع ونوعه، ثم فحص العلاقة بين الجريمة والنزاع.

أما الجريمة ضد الإنسانية فتقوم عندما تُرتكب أفعال محددة، مثل القتل أو التعذيب أو الاختفاء القسري أو التهجير، ضمن هجوم واسع النطاق أو منهجي موجه ضد سكان مدنيين، ويكون الفاعل عالماً بهذا السياق. ويعني “واسع النطاق” عادةً اتساع الأفعال أو عدد الضحايا أو المنطقة المتأثرة. ويشير وصف “المنهجي” إلى وجود قدر من التنظيم أو النمط المتكرر. ويمكن أن تقع الجريمة ضد الإنسانية في زمن الحرب أو السلم.

وتتطلب الإبادة الجماعية قصداً خاصاً يتمثل في تدمير جماعة قومية أو إثنية أو عرقية أو دينية، تدميراً كلياً أو جزئياً. ولهذا لا يكفي إثبات وقوع قتل جماعي. بل يجب أيضاً إثبات أن القصد اتجه إلى تدمير الجماعة بصفتها تلك.

تفسر هذه العناصر سبب الحاجة إلى جمع حوادث متعددة وتحليلها ضمن ملف واحد. فقد تكشف الاعتقالات المتزامنة، أو أساليب التعذيب المتشابهة، أو الأوامر الصادرة إلى عدّة وحدات، عن خطة أو سياسة أو نمط منظم. ويؤدي تفكيك الوقائع إلى ملفات منفصلة إلى إضعاف الصلة بينها وصعوبة الوصول إلى المسؤولين عن تصميم السياسة أو إدارتها. كما يحول دون إظهار أن تجارب الضحايا كانت جزءاً من انتهاكات أوسع، ويحدّ من قدرتهم على معرفة الحقيقة الكاملة بشأن ما حدث والجهات المسؤولة عنه. ويساعد جمع الوقائع ضمن سياقها على بناء سجل قضائي أدق، والاعتراف بالأبعاد الفردية والجماعية للضرر، وتصميم تدابير لجبر الضرر وإصلاح المؤسسات تسهم في منع تكرار الانتهاكات.

3. ما الذي تجرّمه القوانين السورية وما الذي تغفله؟

يوفر قانون العقوبات السوري رقم 148 لعام 1949 أساساً لملاحقة أفعال عديدة، منها القتل والإيذاء وحجز الحرية والحريق والسرقة. كما يجرّم القانون رقم 16 لعام 2022 التعذيب. وتنظم القواعد العامة مسؤولية الفاعل والشريك والمحرض والمتدخل. وتسمح هذه النصوص بفتح تحقيقات وملاحقة المنفذين وحفظ الأدلة المتعلقة بالأفعال التي تنطبق عليها.

ولكن يفتقر التشريع السوري إلى إطار متكامل يعرّف جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية ويحدد عناصرها وعقوباتها. كما لم يعرّف الاختفاء القسري والاضطهاد والترحيل أو النقل القسري كجرائم مستقلة وفق عناصرها المعروفة دولياً. وقد تلجأ النيابة في حالة الاختفاء القسري، مثلاً، إلى تهمة الخطف أو حجز الحرية. يغطي هذا التوصيف جزءاً من الفعل، ويترك عناصر مهمة خارجه، ومنها رفض الاعتراف باحتجاز الشخص أو إخفاء مصيره ومكان وجوده، واستمرار الجريمة طوال مدة بقاء مصيره مجهولاً.

وينطبق الأمر نفسه على الاضطهاد، الذي يعني حرمان أشخاص عمداً من حقوق أساسية بسبب هويتهم أو انتمائهم، وعلى الإبعاد أو النقل القسري، الذي يقوم على إجبار السكان على مغادرة المنطقة التي يوجدون فيها بصورة مشروعة، من دون مبرر يجيزه القانون الدولي. وعندما تقع هذه الأفعال ضمن هجوم واسع النطاق أو منهجي موجّه ضد السكان المدنيين، يصبح السياق جزءاً أساسياً من الجريمة. ولا تعكس أوصاف الخطف أو التهديد أو الاعتداء على الممتلكات هذا السياق كاملاً.

هذا وقد ذكر الإعلان الدستوري لعام 2025 جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية في المادة 49، واستثناها من قاعدة عدم رجعية القوانين، التي تمنع، من حيث الأصل، تطبيق قانون جنائي جديد على أفعال وقعت قبل صدوره. كما شمل الاستثناء الوارد في الإعلان الدستوري جميع الجرائم التي ارتكبها النظام السابق. وفي المقابل، تنص المادة 17 على أنه “لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص”. ولا يكفي أن يذكر الإعلان أسماء الجرائم الدولية، إذ يحتاج القانون إلى تحديد شروط كل جريمة، ومن يمكن مساءلته عنها، والعقوبة المقررة لها. وتبقى كيفية محاكمة الأفعال السابقة على صدور هذا القانون مسألة تتطلب معالجة دقيقة.

ويطرح التعامل مع الجرائم المرتكبة قبل صدور تشريع جديد مسألة تحديد القانون الواجب تطبيقه؛ أي ما إذا كانت هذه الأفعال ستُلاحق استناداً إلى النصوص الوطنية التي كانت نافذة عند وقوعها، أم يمكن تطبيق التعريفات وصور المسؤولية الواردة في القانون الجديد لأنها كانت معترفاً بها آنذاك في القانون الدولي. فالمادة 15 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية تحظر إدانة شخص عن فعل لم يكن مجرّماً وقت ارتكابه، كما تحظر فرض عقوبة أشد من العقوبة التي كانت مقررة آنذاك. وتوضح أن ذلك لا يمنع محاكمة الأفعال التي كانت تُعدّ، وقت وقوعها، جرائم وفق المبادئ القانونية المعترف بها دولياً. ومن ثمّ، يجب أن يوضح أي تشريع سوري جديد الأساس القانوني لملاحقة الجرائم السابقة، وصور المسؤولية والعقوبات التي يجوز تطبيقها، مع احترام حظر إنشاء جرائم أو عقوبات بأثر رجعي. ويساعد هذا الوضوح على حماية حقوق الضحايا والمتهمين وتعزيز قدرة الأحكام على الصمود أمام المراجعة القضائية.

4. ماذا يترتب على غياب إطار قانوني للجرائم الدولية؟

يتمثل الأثر الأول لغياب إطار قانوني للجرائم الدولية في “تجزئة وتقسيم الوقائع”. فقد تتحول حملة احتجاز وإخفاء إلى ملفات خطف أو حجز حرية منفردة، ويتحول تهجير جماعة سكانية إلى حوادث تهديد أو اعتداء على الممتلكات، وتعالج عمليات قتل متكررة كقضايا مستقلة. ويختفي بذلك الرابط بين الجرائم والدافع التمييزي والجهة المنظمة أو المستفيدة منها.

ويظهر الأثر الثاني في تركيز الملاحقات على المنفذين المباشرين. فإثبات ظهور شخص في مقطع مصور وهو يطلق النار أسهل من بناء ملف يوضح مَن نشر الوحدة، ومَن أصدر التعليمات، ومَن تلقى تقارير الانتهاكات، ومَن امتلك القدرة على التدخل. وتبقى المستويات الأعلى خارج المحاسبة عندما يفتقر القانون إلى تنظيم مسؤولية القيادة ويفتقر التحقيق إلى أدوات إثباتها.

ويمس الأثر الثالث حقوق المتهمين. فالاتهام الغامض أو المستند إلى مصادر قانونية غير محددة يصعب مواجهته، وقد يؤدي إلى اختلاف التكييف بين محكمة وأخرى. كما يهدد ضعف قواعد حفظ الأدلة وادعاءات التعذيب سلامة المحاكمات. وتزداد هذه المخاطر مع عقوبة الإعدام، بالنظر إلى جسامتها وإلى ما قد تسببه من عوائق أمام تسليم المشتبه بهم وتبادل الأدلة مع الدول والجهات الدولية.

ويتمثل الأثر الرابع في المساس بحقّ الضحايا والمجتمع في معرفة الحقيقة، من حيث الظروف والأسباب التي أدت الى ارتكاب تلك الانتهاكات، وكشف مسؤولية البنية المؤسسية للجيش والأمن والقيادة السياسية، وعدم قدرة القضاء على القيام بدوره، وعدم كشف هذه الحقائق سيُبقي على تلك المؤسسات دون إصلاح ودون معالجة الأسباب، الأمر الذي قد يعيد ارتكاب الانتهاكات مجدداً، هذا بالإضافة إلى احتمالية إفلات العديد من القادة، ممن أصدروا الأوامر أو لم يتخذوا الإجراءات المناسبة لمنع ارتكاب الانتهاكات أو محاسبة المسؤولين عنها، من الملاحقة، الأمر الذي يقوض ثقة الضحايا ويمس بحقهم في الوصول الى الحقيقة والعدالة الشاملة.

5. أين يقع قانون العدالة الانتقالية؟

بدأت محاكمة عاطف نجيب ومحاكمات بارزة أخرى قبل صدور قانون للعدالة الانتقالية أو نشر استراتيجية للملاحقات. وكان من شأن وجود هذا الإطار أن يحدد اختصاصات الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية ووزارة العدل والنيابة والمحاكم، ومعايير اختيار القضايا، وترتيب الأولويات، وقواعد مشاركة الضحايا وحمايتهم، والوصول إلى الأدلة.

يؤدي قانون العدالة الانتقالية وظيفة تختلف عن القانون الوطني المتعلق بالجرائم الدولية. ينظم الأول المسار العام وعلاقة عناصر العدالة الانتقالية المتمثلة في كشف الحقيقة وجبر الضرر والإصلاح المؤسسي وضمانات عدم التكرار ببعضها البعض. ويحدد الثاني الجرائم وعناصرها والعقوبات وصور المسؤولية. يحتاج النظام السوري إلى القانونين مع تنسيق واضح بينهما، لأن التنظيم المؤسسي للمحاكمات لا يحل وحده مشكلة غياب النص الجنائي، ولأن إصدار نص جنائي من دون استراتيجية عدالة انتقالية يترك اختيار القضايا ودور الضحايا وتوزيع المسؤوليات من دون إطار متماسك.

6. ما الإصلاح التشريعي المطلوب؟

تبدأ المعالجة الحقيقية بإدماج الجرائم الدولية في القانون السوري. ويمكن أن يتم ذلك بإصدار قانون وطني يعرّف جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية، ويجرّم الاختفاء القسري بصورة مستقلة، ويحدد الأركان المادية والمعنوية والسياقية لكل جريمة بلغة واضحة. ويمكن أيضاً اعتماد نصّ تشريعي صريح يجعل أحكام الاتفاقيات الدولية النافذة في سوريا جزءاً من القانون الوطني، ويفوّض المحاكم بالرجوع إليها وتطبيقها عند غياب نص داخلي، على أن يحدد المشرّع العقوبات وصور المسؤولية والاختصاص والقواعد التي تنطبق على الجرائم السابقة.

ويجب أن يترافق ذلك مع انضمام سوريا إلى نظام روما الأساسي والاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، وغيرها من المعاهدات ذات الصلة. فالانضمام يعزز التزامات سوريا الدولية، بينما يوفّر التشريع الوطني الأساس الذي تحتاجه المحاكم لتطبيق هذه الالتزامات في القضايا الجنائية. وقد دعت لجنة التحقيق الدولية في أيلول/سبتمبر 2026 السلطات السورية إلى تجريم الجرائم الدولية الأساسية في القانون الوطني.

ويحتاج القانون إلى الاعتراف بجميع الضحايا بصرف النظر عن انتمائهم. كما يستحسن أن يشرح في أسبابه الموجبة مصادر كل تعريف وعلاقته بالتزامات سوريا وبالقانون الدولي العرفي، حتى تتمكن المحاكم من استخدامه بصورة متسقة.

ويتطلب الإصلاح مراجعة قانون العقوبات وقانون أصول المحاكمات الجزائية وقانون السلطة القضائية والقواعد المتعلقة بالقضاء العسكري وملاحقة العسكريين. فالقاعدة الجديدة قد تفقد أثرها إذا بقيت نصوص أخرى تمنع التحقيق، أو تقيد الوصول إلى الأدلة، أو تسمح بإحالة الجرائم إلى جهة تفتقر إلى الاستقلال، كذلك تجب مراجعة وإلغاء او تعديل النصوص والقوانين التي قد تمنع من تطبيق قانون العدالة الانتقالية.

ويكتمل المسار بقانون شامل للعدالة الانتقالية يحدد موقع المحاكمات ضمن عملية أوسع للحقيقة وجبر الضرر والإصلاح. ويساعد نشر الأحكام المعللة ووضع استراتيجية واضحة للملاحقات على بناء اجتهاد يمكن مراجعته وتطويره. فوضوح القانون يحمي الضحايا من اختزال الانتهاكات في ملفات منفصلة، ويحمي المتهمين من الاتهامات الغامضة، ويمكّن القضاء من الوصول إلى المسؤولين على مختلف المستويات.