عندما تبدأ محاكمة شخص متهم بارتكاب جريمة ما، تتجه الأنظار غالباً إلى الحكم المنتظر: هل سيُدان المتهم أمّ يُبرَّأ؟ وما العقوبة التي قد تُفرض عليه/ا؟

لكن تقييم عدالة المحاكمة يتطلب متابعة ما يجري طوال القضية، منذ لحظة الادّعاء والتحقيق، وحتى صدور الحكم ومراجعته وانبرامه وتنفيذه.

وتُطرح في ذات الوقت مجموعة كبيرة من الأسئلة؛ منها: هل جُمعت الأدلة بطرق قانونية وفُحصت بعناية؟ وهل تمكّن المتهم من الدفاع عن نفسه أمام محكمة مستقلة ومحايدة؟ وهل احترمت الجهات المختصة حقوق الضحايا ووفّرت الحماية لهم وللشهود؟ ومعايير أخرى لا تتسع هذه الورقة لذكرها جميعاً.

تساعد مجموعة الأسئلة أعلاه، على فهم الضمانات التي تجعل المحاسبة عادلة وجديرة بالثقة. لذا تشرح هذه الورقة الموجزة الضمانات الأساسية للمحاكمة العادلة في القضايا الجزائية، أي القضايا التي يُتهم فيها شخص بارتكاب جريمة. وتكتسب هذه الضمانات أهمية خاصة في سوريا خلال المرحلة الانتقالية، مع بدء محاكمات تتعلق بانتهاكات جسيمة قد ترقى إلى جرائم دولية. فاحترام حقوق المتهمين والضحايا، وضمان استقلال القضاء وسلامة الإجراءات، يعزز الثقة بمسار العدالة ويسهم في تحقيق المحاسبة وإنصاف الضحايا.

تستند هذه الورقة الموجزة بشكل أساسي، إلى المعايير الدولية الواردة في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وإلى اتفاقيات ووثائق أممية أخرى. وتتبع مراحل القضية خطوةً خطوةً، لتوضح مضمون هذه الضمانات، وكيفية تطبيقها، ومسؤوليات الجهات المعنية باحترامها.

1. من أين تبدأ ضمانات المحاكمة العادلة؟

تبدأ ضمانات المحاكمة العادلة منذ الخطوات الأولى للتحقيق. فقد تنطلق القضية من شكوى يقدمها متضرر، أو من معلومات تصل إلى السلطات عن جريمة محتملة. ومنذ تلك اللحظة، يجب التحقق من الوقائع وجمع الأدلة وفحصها بموضوعية، بما يشمل ما قد ينفي الشبهة عن الشخص أو يدعم موقفه. وعلى النيابة العامة، وهي الجهة التي تتولى الادعاء أمام القضاء، مراعاة ما يكون لصالح المتهم وما يكون ضدّه، والامتناع عن بدء الملاحقة أو مواصلتها إذا أظهر تحقيق محايد أن التهمة لا أساس لها.

وإذا أُلقي القبض على شخص، وجب إبلاغه بأسباب القبض في حينه، وبأيّ تهمة تُوجَّه إليه سريعاً وبلغة يفهمها. كما يجب تسجيل أسباب القبض ووقته ومكان الاحتجاز وهوية المسؤولين عنه، وشرح حقوقه وكيفية ممارستها، وتمكينه من إبلاغ أسرته أو شخص يختاره باحتجازه ومكان وجوده. وتساعد هذه الضمانات على معرفة مكان الشخص ومتابعة وضعه، وتُخضع احتجازه للرقابة، وتحد من خطر تعرضه للانتهاكات كالاختفاء القسري أو التعذيب.

ويجب عرض المقبوض عليه سريعاً على قاضٍ، أو مسؤول مخوّل قانوناً بممارسة سلطة قضائية ويتمتع بالاستقلال والحياد. وله أيضاً أن يطعن أمام محكمة في قانونية احتجازه، وأن يُفرج عنه إذا كان احتجازه غير قانوني. والاحتجاز قبل المحاكمة إجراء استثنائي، يستلزم أسباباً محددة تتعلق بظروف الشخص وقضيته، مثل احتمال فراره أو عبثه بالأدلة. ويجب مراجعة ضرورة استمراره دورياً، والنظر في إمكان الاستعاضة عنه بتدابير أقل تقييداً للحرية.

ويمكن أن تستمر المحاكمة والمتهم طليق، مع ضمان حضوره بتدابير مثل التعهد بالحضور أو تقديم كفالة بحسب الحالة. فالإفراج عنه قبل الحكم لا يعني تبرئته، وتستمر القضية لتفصل المحكمة في مسؤوليته عن الجريمة.

2. ما الذي يجب أن يحدث أثناء التحقيق؟

خلال التحقيق، تجمع الجهات المختصة، كالشرطة والنيابة العامة وقاضي التحقيق، الإفادات والوثائق وغيرها من الأدلة، كلٌّ ضمن صلاحياته القانونية، ويُسأل المشتبه فيه عن الأفعال المنسوبة إليه. وله منذ هذه المرحلة الحقّ في معرفة حقوقه والاستعانة بمحامٍ، وفي التزام الصمت وعدم إجباره على الشهادة ضدّ نفسه أو الاعتراف بارتكاب جريمة. ويحظر استغلال احتجازه أو خوفه لانتزاع اعتراف منه، أو إخضاعه للعنف أو التهديد أثناء الاستجواب. وتؤكد المبادئ الأممية لحماية الأشخاص المحتجزين حظر أساليب الاستجواب التي تُضعف قدرة الشخص على اتخاذ قراراته أو تقدير ما يقوله.

وتحظر اتفاقية مناهضة التعذيب التعذيب في جميع الظروف، مهما كانت خطورة الجريمة. وإذا وُجدت أسباب معقولة للاعتقاد بوقوعه، وجب إجراء تحقيق سريع ونزيه، حتى دون شكوى رسمية. ويحظر استخدام الأقوال المنتزعة بالتعذيب دليلاً، باستثناء استخدامها في ملاحقة الشخص المتهم بممارسة التعذيب، لإثبات أن الضحية أدلت بهذه الأقوال تحت التعذيب. لذلك، إذا قال شخص إنه وقّع اعترافاً تحت التعذيب، وجب التحقيق في ادعائه قبل تقرير إمكان الاعتماد عليه. فقد يعترف بأفعال لم يرتكبها للتخلص من الألم. ويظل واجب التحقيق في التعذيب ومحاسبة مرتكبيه قائماً مهما كانت نتيجة القضية الأصلية.

وتشمل ضمانات التحقيق تسجيل مدة الاستجوابات والفترات الفاصلة بينها وهوية القائمين عليها والحاضرين فيها، وتوفير الفحص والرعاية الطبية للمحتجز. ويجب تمكينه من التشاور مع محاميه بسرية لفهم الإجراءات وحماية حقوقه، بما يشمل الاعتراض على الضغط أو توقيع إفادة لا تعكس أقواله.

3. كيف يستطيع المتهم إعداد دفاعه؟

لكي يستطيع المتهم الدفاع عن نفسه، ينبغي أن يعرف بدقة ما الجريمة المتهم بارتكابها. لذلك، يجب إبلاغه سريعاً وبالتفصيل، وبلغة يفهمها، بطبيعة التهمة وأسبابها، أي بالأفعال المنسوبة إليه والأساس القانوني لاتهامه بها. وله أيضاً الحق في الاستعانة بمترجم شفوي مجاناً إذا كان لا يفهم اللغة المستخدمة في المحكمة أو لا يتكلمها، حتى يستطيع متابعة ما يجري والمشاركة في الدفاع عن نفسه.

ويجب منح المتهم ومحاميه وقتاً كافياً وتسهيلات لإعداد الدفاع، تشمل الاطلاع على الأدلة والوثائق، ومنها ما قد ينفي التهمة أو يخفف المسؤولية، والتشاور بسرية، وتقديم الأدلة والطلبات. ويتوقف الوقت اللازم على ظروف القضية وتعقيدها؛ فإذا تسلّم المحامي ملفاً كبيراً قبيل الجلسة، وجب تمكينه من طلب مهلة مناسبة لدراسته، فالاطلاع الفعلي على الأدلة يتيح كشف التناقضات والبحث عن وثائق أو شهود قد يؤثرون في نتيجة القضية.

وإذا لم يكن للمتهم محامٍ، وجب على المحكمة أو الجهة المختصة توفير محامٍ للدفاع عنه متى اقتضت مصلحة العدالة ذلك، على أن تتحمل الدولة أتعابه إذا كان المتهم غير قادر على دفعها. ويُراعى في تقدير هذه الحاجة خطورة التهمة والعقوبة المحتملة وتعقيد القضية وقدرة المتهم على الدفاع عن نفسه.

ويجب أن تكون المساعدة القانونية فعلية، فتعيين محامٍ “مسخّر” لا يكفي إذا اقتصر دوره على الحضور الشكلي، دون الاطلاع على ملف الدعوى والتشاور مع المتهم وإعداد دفاعه، فهذه الممارسة تُفرغ حق الدفاع من مضمونه وتتعارض مع ضمانات المحاكمة العادلة. كذلك، من الضروري أن تتناسب خبرة المحامي وكفاءته مع طبيعة القضية، وأن يتمكن من أداء عمله دون ترهيب أو عرقلة، مع احترام سرية اتصالاته بموكله. كما يجب ألا يُعامل المحامي بوصفه شريكاً لموكله في الأفعال المنسوبة إليه لمجرد توليه الدفاع عنه.

ويشرح المحامي لموكله حقوقه والخيارات القانونية المتاحة والنتائج المحتملة لكل منها، ويناقش معه كيفية الرد على الاتهام، ويقدم الطلبات والاعتراضات اللازمة لحماية مصالحه. وتساعد هذه المشورة على فهم الإجراءات واتخاذ قرارات واعية بشأن دفاعه. وبذلك تتحقق قيمة المساعدة القانونية من خلال العمل الذي يؤديه المحامي وقدرته على حماية حقوق موكله طوال القضية.

4. من ينظر في القضية؟

عندما تصل القضية إلى المحكمة، تعرض النيابة العامة التهمة والأدلة التي تستند إليها، ويرد المتهم ومحاميه ويقدمان أدلة الدفاع وطلباته، وتتولى المحكمة فحص ما يقدمه الطرفان والفصل في القضية. ويجب أن يتولى الحكم في القضية قضاة مستقلون عن النيابة العامة، حتى لا تكون الجهة التي تتهم الشخص هي نفسها التي تقرر إدانته أو براءته.

وينبغي أن تكون المحكمة منشأة بموجب القانون، وأن تكون مخوّلة قانوناً بالنظر في القضية المعروضة عليها؛ وهذا هو المقصود باختصاصها. كما يجب أن تتمتع بالاستقلال والحياد. ويعني الاستقلال أن يصدر القضاة قراراتهم استناداً إلى الوقائع والقانون، دون تدخل أو ضغط من الحكومة أو الأجهزة الأمنية أو أي جهة أخرى. أما الحياد فيعني أن ينظروا في القضية دون تحيز لأي طرف أو موقف مسبق من مسؤولية المتهم. وقد يثير وجود مصلحة شخصية للقاضي في نتيجة القضية شكاً مشروعاً في حياده، يستلزم معالجة الأمر وفق الإجراءات القانونية التي تضمن نظر القضية أمام قاضٍ محايد.

وتؤكد المبادئ الأساسية بشأن استقلال السلطة القضائية ضرورة أن توفر الدولة ضمانات عملية تحمي هذا الاستقلال، تشمل اختيار القضاة على أساس النزاهة والكفاءة والمؤهلات القانونية، وحمايتهم من التدخل والعزل التعسفي. ويظهر أثر هذه الضمانات حين يستطيع القاضي إصدار حكم يستند إلى الأدلة والقانون، حتى عندما يخالف رغبات أصحاب السلطة أو النفوذ.

5. ما الذي يجعل جلسات المحاكمة عادلة؟

يظل المتهم بريئاً في نظر القانون إلى أن تثبت إدانته في محاكمة عادلة. وهذا يسمى “قرينة البراءة”: تتحمل النيابة العامة عبء إثبات التهمة بالأدلة، ولا يُطلب من المتهم إثبات براءته. 

ويشمل احترام افتراض البراءة طريقة عرض الأشخاص في الصور والبيانات الرسمية. فقد يوحي نشر صور المحتجزين بثياب السجن بأنهم مدانون قبل أن تفصل المحكمة في قضاياهم. لذلك، يجب أن يستند نشر أسمائهم أو صورهم إلى أساس قانوني وغرض مشروع، وأن يقتصر على ما تقتضيه الضرورة، مع احترام خصوصيتهم وكرامتهم وتجنّب التشهير بهم.

والأصل أن يحضر المتهم جلسات محاكمته، وأن يستطيع الدفاع عن نفسه والاستعانة بمحامٍ. ويكفل العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية حقه في مناقشة شهود الاتهام، بنفسه أو بواسطة محاميه، وفي استدعاء شهود الدفاع ومناقشتهم بالشروط نفسها. ويجب أن تتاح للدفاع فرصة فعلية لفحص أدلة الاتهام والاعتراض عليها وتقديم ما يناقضها. وهذا من مقتضيات تكافؤ الفرص بين الادعاء والدفاع: أن يتمكن كل طرف من عرض حججه والرد على الطرف الآخر، دون عوائق تضعه في وضع أضعف إجرائياً بصورة غير عادلة.

فإذا قال شاهد إنه رأى المتهم في مكان الجريمة، يجب أن تتاح للدفاع فرصة سؤاله عن المكان الذي كان يقف فيه، والمسافة بينه وبين الشخص الذي رآه، والإضاءة، وكيف تعرّف إليه. وتساعد الإجابات المحكمة على تقدير دقة الشهادة، مع احترام كرامة الشاهد واتخاذ تدابير لحمايته عند الحاجة.

والأصل أن تكون جلسات المحاكمة مفتوحة للجمهور والصحافة، بما يتيح متابعة سير العدالة. ويمكن تقييد الحضور لأسباب محددة، منها حماية الحياة الخاصة لأطراف القضية، أو حماية مصلحة العدالة في ظروف استثنائية وبالقدر الضروري. كما يجب إنجاز المحاكمة دون تأخير غير مبرر، مع منح الدفاع الوقت الكافي للاستعداد. وتُقيّم أسباب التأخير بالنظر إلى تعقيد القضية وسلوك المتهم وكيفية تعامل السلطات معها.

أما الأطفال المتهمون، فلهم ضمانات إضافية تراعي سنهم واحتياجاتهم وتدعم إعادة اندماجهم في المجتمع. وتكفل اتفاقية حقوق الطفل حصولهم على مساعدة قانونية أو مساعدة مناسبة أخرى لإعداد دفاعهم، وفهمهم للتهمة والإجراءات، وحماية خصوصيتهم طوال القضية. ويجب أن يكون احتجاز الطفل ملاذاً أخيراً ولأقصر مدة مناسبة، وأن تُراعى هذه الضمانات منذ أول اتصال له بالجهات المختصة بالتحقيق وحتى انتهاء الإجراءات.

ويجب تيسير مشاركة الأشخاص ذوي الإعاقة في جميع مراحل القضية، سواء كانوا متهمين أم ضحايا أم شهوداً. وقد يتطلب ذلك توفير مترجم للغة الإشارة، أو شرح المعلومات بصيغة سهلة الفهم، أو تهيئة المكان للوصول إليه واستخدامه، بما يضمن وصولهم إلى العدالة على قدم المساواة مع الآخرين.

كما يجب أن تُعامل النساء دون تمييز، وأن تُقيَّم أقوالهن وشهاداتهن دون أحكام مسبقة مرتبطة بكونهن نساء أو بتوقعات المجتمع لسلوكهن. وأثناء الاحتجاز، ينبغي مراعاة احتياجاتهن الصحية، بما فيها الحمل والرضاعة، وحمايتهن من العنف والتحرش. 

6. كيف تُصان حقوق الضحايا وتُكفل حماية الشهود؟

على الجهات القضائية والإدارية المختصة، كلٌّ ضمن صلاحياته، تعريف الضحايا بحقوقهم وسبل طلب الإنصاف، وإطلاعهم على سير القضية ودورهم فيها، وإتاحة عرض آرائهم ومخاوفهم عندما تتأثر مصالحهم، مع احترام حقوق الدفاع. وينبغي توفير المساعدة القانونية والطبية والنفسية والاجتماعية التي يحتاجون إليها، وحمايتهم وأسرهم والشهود من التخويف والانتقام.

وقد تتطلب الحماية حجب معلومات تكشف هوية الضحية أو الشاهد، أو اتخاذ ترتيبات خاصة للإدلاء بالشهادة. وعلى المحكمة تنظيم هذه التدابير بما يحمي سلامة الشخص وخصوصيته، ويضمن للدفاع فرصة فعلية لمناقشة الشهادة والطعن في موثوقيتها. ففي قضايا العنف الجنسي مثلاً، قد يؤدي نشر اسم الضحية أو تفاصيل تتيح التعرف إليها إلى تعريضها للوصم أو التهديد. ويمكن الحد من هذه المخاطر بحجب بياناتها عن الجمهور وتقييد نشر التفاصيل التي تكشف هويتها، مع صون حق المتهم في الدفاع.

ويشمل إنصاف الضحايا تمكينهم من طلب جبر الضرر، أي اتخاذ تدابير تعالج آثار الانتهاك، مثل رد الحقوق والتعويض وإعادة التأهيل، بحسب طبيعة الضرر وظروف الحالة. وقد يُطلب الجبر أمام المحكمة التي تنظر في القضية، أو عبر مسارات قضائية أو إدارية أخرى يتيحها القانون. وتؤكد المبادئ الأممية بشأن الحق في الانتصاف والجبر أهمية توفير آليات فعالة لتنفيذ الأحكام الصادرة لمصلحة الضحايا، حتى يحصلوا فعلياً على ما تقرر لهم.

7. كيف نعرف أن الحكم قائم على أساس سليم؟

بعد سماع الأطراف وفحص الأدلة، تصدر المحكمة حكمها وتوضح كيف توصلت إليه. وهذا هو “تسبيب الحكم”: بيان الوقائع التي ثبتت لديها، والأدلة التي اعتمدت عليها، وكيف طبّقت القانون على تلك الوقائع. ويتيح الحكم المكتوب والمسبّب للمتهم والضحايا فهم النتيجة وأسبابها، وتحديد الأخطاء التي قد تستدعي الطعن فيه. والأصل أن يُعلَن الحكم، بما يشمل الوقائع الأساسية والأدلة والأسباب القانونية، مع استثناءات محددة، منها ما تقتضيه مصلحة الأطفال.

وعند الإدانة، يجب أن يبيّن الحكم مسؤولية كل متهم على حدة، والأدلة التي تثبتها. ففي قضية تعذيب داخل مكان احتجاز، مثلاً، على المحكمة أن توضح ما إذا كان المتهم قد ارتكب التعذيب، أو أمر به، أو ساهم فيه، أو أخلّ بواجب قانوني يترتب عليه تحمّل المسؤولية. ويجب أن تحدد الأساس القانوني لكل صورة من صور المسؤولية؛ فمجرد العمل في مكان الاحتجاز أو شغل منصب فيه لا يكفي وحده لإثبات الإدانة.

ويجب أن يحترم الحكم أيضاً “مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات”، أي أن يستند التجريم والعقاب إلى قانون كان سارياً وقت ارتكاب الفعل. فلا تجوز إدانة شخص عن فعل أو امتناع عن فعل لم يكن جريمة بموجب القانون الوطني أو الدولي وقت وقوعه، ولا فرض عقوبة أشد من العقوبة المقررة آنذاك. وإذا صدر لاحقاً قانون يقرر عقوبة أخف، وجب أن يستفيد منها المتهم.

وإذا لم تكفِ الأدلة لإثبات التهمة بما يتجاوز الشك المعقول، وجب الحكم بالبراءة. وقد يكون سبب ذلك عدم ثبوت صلة المتهم بالجريمة، رغم ثبوت وقوعها. لذلك، يجب قراءة أسباب الحكم لفهم ما حسمته المحكمة: هل لم يثبت وقوع الجريمة، أم لم تثبت مسؤولية هذا المتهم عنها؟

8. ماذا يحدث بعد صدور الحكم؟

لكل شخص أُدين بجريمة الحقّ في أن تراجع محكمة أعلى إدانته والعقوبة المفروضة عليه. ولتمكينه من ممارسة هذا الحق، يجب إتاحة الحكم المكتوب وأسبابه والوثائق اللازمة للطعن، مثل محاضر الجلسات. ويمكن إجراء هذه المراجعة دون إعادة جميع جلسات المحاكمة، شريطة أن تشمل فحص الوقائع وكفاية الأدلة وصحة تطبيق القانون.

عندما تنتهي مراحل الاعتراض على الحكم، أو تنقضي المدة التي يتيحها القانون للاعتراض عليه، يصبح الحكم نهائياً. وعندها، لا يجوز محاكمة الشخص مرة أخرى عن الجريمة نفسها (المادة 181 من قانون العقوبات السوري)، سواء حُكم ببراءته أم بإدانته. فإذا بُرّئ شخص بحكم نهائي، مثلاً، فلا يجوز للسلطات بدء محاكمة جديدة بالتهمة نفسها لمجرد عدم رضاها عن النتيجة.

أما إذا ألغت محكمة أعلى الحكم وأمرت بإعادة المحاكمة، فيجوز النظر في القضية مجدداً. وقد يسمح القانون أيضاً بإعادة فتحها في حالات استثنائية، مثل اكتشاف أدلة مهمة لم تكن معروفة أو متاحة عند صدور حكم البراءة.

وإذا انتهت القضية بعقوبة السجن، تظل الدولة مسؤولة عن احترام كرامة الشخص وحمايته من التعذيب وسوء المعاملة وتوفير الرعاية الصحية اللازمة له. وتؤكد قواعد نيلسون مانديلا لمعاملة السجناء أن الحرمان من الحرية ينطوي بذاته على معاناة، وأن على إدارة السجن تجنّب زيادة هذه المعاناة. لذلك، يجب أن تظل ظروف السجن وطريقة تنفيذ العقوبة خاضعتين للرقابة والمساءلة.

9. أسئلة تساعد على متابعة أي محاكمة:

لمتابعة عدالة أي محاكمة، يمكن الاستعانة بخمسة أسئلة أساسية: هل احترمت السلطات القانون أثناء القبض والتحقيق، وخضعت إجراءاتها للرقابة؟ هل تمكّن المتهم من إعداد دفاعه وتقديمه؟ هل نظرت في القضية محكمة مستقلة ومحايدة؟ هل أُتيحت للضحايا والشهود المشاركة بأمان، مع احترام حقوق الدفاع؟ وهل أوضحت المحكمة الأدلة والأسباب التي بنت عليها حكمها، وأُتيح لمن أُدين الطعن في إدانته وعقوبته أمام محكمة أعلى؟

وفي سوريا، تساعد هذه الأسئلة الضحايا والإعلاميين والمجتمع المدني والجمهور على متابعة المحاكمات وتقييم إجراءاتها والمطالبة باحترام ضماناتها. فالثقة بالمحاسبة تتطلب تطبيق هذه الضمانات على الجميع، مهما كانت مناصب المتهمين أو خطورة الجرائم المنسوبة إليهم، وتمكين الضحايا من الوصول إلى العدالة وفهم ما انتهت إليه قضاياهم وأسباب ذلك.

وستبحث “سوريون” في ورقة لاحقة ما الذي تضمنته القوانين السورية من هذه الحقوق، وأين توجد ثغرات تحتاج إلى إصلاح، وما تم توثيقه بخصوص مدى احترام هذه الضمانات في المحاكمات الجارية حالياً في سوريا